تقنية الاسترجاع في رواية {قصر الثعلب} لإبراهيم سبتي

الاثنين 13 تموز 2020 143

تقنية الاسترجاع في رواية {قصر الثعلب}  لإبراهيم سبتي
أحمد الشطري
 

في روايته (قصر الثعلب) الصادرة عن دار الفؤاد للنشر في القاهرة عام 2019، اعتمد القاص والروائي ابراهيم سبتي أسلوب (الرؤية الذاتية او الرؤية الداخلية)، ووفقاً لهذا الاسلوب فإنَّ الراوي سيكون عالِمَاً بقدر ما تعلم الشخصيَّة التي يتحدث من خلالها، والتي ستكون مشاركة في سير الأحداث ومجرياتها.
كما أشار الى ذلك تودوروف في تقسيماته للرواة، وقد أتاح هذا الأسلوب للراوي حرية التنقل في سرد الأحداث، سواء على الصعيد المكاني أو الزماني، كما مكنه أيضاً من الانتقال الحر بين السرد الوصفي والحواري الذي غالباً ما يكون (مونولوجيا). وغالباً ما تتيح هذه التداعيات المونولوجية للراوي استخدام تقنية الاسترجاع هذه التقنية التي تفتح الفضاء السردي للتنقلات المكانية والزمانية المختلفة.
وقد قسم جيرار جنيت الاسترجاع في كتابه (خطاب الحكاية) الى ثلاثة انواع:
1 - الاسترجاع الخارجي: وهو الذي يقع خارج سعة الحكاية الأولى.
2 - الاسترجاع الداخلي: وهو الذي يتناول خط العمل نفسه الذي تتناوله الحكاية الأولى.
3 - الاسترجاع المختلط: وهو ذلك الذي يجمع بين النوعين الداخلي 
والخارجي.
ولكل نوع من هذه الأنواع أثره الخاص وفاعليته في خلق حالة من التنوع كفيلة بكسر رتابة السرد، وفتح فضاءات زمانية ومكانية متنوعة، تسهم في البناء التصاعدي للحكاية الرئيسة، وتمتين خيوط التفاعل والانجذاب النفسي لدى المتلقي مع مسيرة الحدث السردي.
وفي روايته هذه استخدم إبراهيم سبتي الأنواع الثلاثة للاسترجاع كوسيلة للتنقل بين حشد الحكايات التي تجري في فضاءات متعددة؛ لتصب في الخط العام لسير الحكاية الرئيسة، مشكلة صورة أشبه ما تكون بصورة الروافد التي تتخلى عن ذاتيتها لصالح المجرى العام للنهر الكبير، إنَّ هذه الحكايات الفرعية والتي ترتبط أحداثها مرة بذات الراوي ومرة بذوات الآخرين تتم الاستعانة بها؛ لتقوية مسار الأحداث التي تجري في إطار الحكاية الأولى. 
وخلق مفارقات زمانية تسهم في الإثراء البلاغي للعملية السردية، ومن الأمثلة التي يمكن لنا إيرادها هنا والتي حفلت بها الرواية، تلك الانتقالة التي قام بها الراوي لسرد حكاية عبد الهادي صديقه الذي توفي في الهند على إثر عجز كلوي. 
وقصة خليل أخي عبد الهادي الذي مات مختنقاً في إحدى الشاحنات في طريق هجرته اللاشرعية الى 
النمسا. 
فقد جاءت هاتان الحكايتان لترسمان صورة استباقيَّة للمستقبل المجهول الذي من الممكن أنْ تؤول إليه رحلته، ولذلك فهو يستخدم نتائجهما كمحفز؛ لتجنب ذلك المصير المرعب، وقد شكلت هاتان القصتان أنموذجاً للاسترجاع الخارجي في مسار هذه الرواية.
بينما نجد استرجاعات أخرى تتعلق مرة بالماضي البعيد ومرة بالماضي القريب للشخصية الرئيسة، والتي تتمثل بالربط بين مشاعره في اللحظة الآنية تحت وطأة الخطر المحدق به، ومشاعره في لحظات حياته العسكرية أثناء شن قوات التحالف لهجومها على الجيش العراقي في ما سميت بعاصفة الصحراء، وصورة الطائرات التي راحت تلقي بقنابلها بالقرب منه، مؤكداً على الصورة البشعة لأحد الطيارين العابثين والذي كان يتسلى بقتل الجنود العزل، وهم يبحثون عن طريقٍ آمن يعود بهم الى ديارهم. 
لقد مثلت هذه الحكاية استذكاراً داخلياً يعكس صورة من الماضي البعيد، بينما تمثل الماضي القريب بحادثة التسليب التي تعرض لها الراوي وهو يسير في شارع الرشيد وسط بغداد في الفترة التي أعقبت الاحتلال، والتي شهدت حالة من الفوضى والانفلات 
الأمني. 
كما تجسد النوع الثالث والمتمثل بالاسترجاع المشترك في انتقالة الراوي لسرد حادثة انفجار (السيارة الملغمة) التي استشهد فيها أخوه أحمد الناصري ومعه مجموعة من ابناء المنطقة قرب ملعب رياضي، وصورة ذلك الاب المكنى (ابو آدم الخباز) وهو يبكي أولاده الثلاثة الذين استشهدوا في ذلك الانفجار، والصورة الوصفية التي رسم لنا فيها شخصية أخيه أحمد الناصري ومدى تعلقه بالبطل الهوليودي.
لقد أسهمت هذه الاسترجاعات بشكلٍ وآخر في تمتين مسار الحكاية الرئيسة، وإعطائها مدى وسعة على صعيد البعدين الزماني والمكاني. وإنْ كانت بعض الاسترجاعات تبدو للوهلة الأولى وكأنها مجرد حشو لا علاقة واضحة له في البناء التصاعدي للحكاية، إلا أنه بلا شك يشكل دفقاً 
إضافياً في تنمية التفاعل النفسي مع الحدث للراوي والمتلقي على حدٍ 
سواء.
ارتكزت نقطة انطلاق الحكاية على ركيزتين تمثلت إحداهما بمجريات رواية قرأها الراوي وتأثر بها، بينما تمثلت الأخرى بمجريات حلم بُني على حالة من إعجاب منتحلة بنجم سينمائي أميركي، إذ إنَّ الشخصية الرئيسة في الرواية لم يكن هو المعجب بهذا النجم الذي أصبح عامل تهديد لحياته، وإنما كان المعجب هو أخوه الذي استشهد بانفجار سيارة مفخخة.
ورغم أنَّ نهاية الرواية والتي توضح بأنَّ مجرياتها هي عبارة عن حلمٍ تبدد مع لحظة استيقاظ الشخصية الرئيسة، إلا أننا نشعر وكأنَّ الروائي قد حاول أنْ يخلق لنا نوعاً من المفارقة، ولولا إشارته في بداية سرده لأحداث الرواية بأنها مجرد حلم، لكان لعنصر المفارقة وقعٌ أكثر عمقاً وأقوى أثراً في نفس المتلقي، إلا أنَّ ابتداء الراوي السرد بجملة (حلمت ذات ليلة خريفيَّة) أسهم في تحديد ملامح الصورة التي ستنتهي بها الحكاية. ولعلَّ الروائي بإشارته الى أنَّ مصدر الحكي هو (الحلم)، أراد أنْ يوحي لنا بأنه لم يشأ أنْ يدخل عنصر المفارقة في لعبته السرديَّة، رغم أنَّ استخدام ذلك كان من الممكن أنْ يكسب الرواية باعثاً إدهاشيّاً وجماليّاً يضاف الى جماليات السرد
الأخرى.
إنَّ رواية "قصر الثعلب" بما حفلت به من أحداث تمثل سجلاً توثيقياً لوقائع مأساوية شهدها العراق في فترة التسعينيات وما بعدها، وتكشف عن حجم الرعب والآلام التي خلفتها تلك الوقائع المأساوية في نفوس الذين عاشوا مجرياتها.وقد تمتعت الرواية بلغة منسابة محملة بالكثير من عناصر التشويق والإدهاش تكشف عن مدى تمكن إبراهيم سبتي من أدواته الإبداعيَّة.