SILVI القبضُ على الذات

الثلاثاء 14 تموز 2020 121

SILVI القبضُ على الذات
محمد صابر عبيد
 

تتولد لدى الإنسان رغبة جامحة للقبض على ذاته بوسائل متعددة تمهيداً لمعرفتها والكشف عن خصوصياتها وأعماقها  وأسرارها، وتظل هذه الذات على الرغم من محاولات النظر والتحليل والكشف غامضة في مناطق حساسة وعميقة منها، لأنها تنطوي على شبكة من المفاهيم تشترك فيها علوم إنسانيّة مختلفة، منها ما هو اجتماعيّ، ومنها ما هو نفسيّ، ومنها ما هو فلسفيّ، ومنها ما هو غير ذلك.
بما يجعلها تكويناً معقّداً له سطح يمكن فهمه أو تيسير فهمه والتعاطي معه، وله أعماق وطبقات جوانيّة تسعى هذه العلوم إلى الحفر فيها للتعرّف المتدرّج على خصوصيّاتها ومكوّناتها، ولا شكّ في أنّ هذه الذات هي جسد في جزء من هويّتها، وهي مفهوم وقيمة وحساسيّة في الجزء الأكبر منها.
وقد يكون الوجه مفتاحاً جوهرياً لهذه الرغبة حين تمرّ منه وبوساطته وفيه إشعاعات وتموّجات وملامح وإرهاصات واستجابات، تصلح في كثير من الأحيان للقراءة والتحليل والتأويل والكشف والاكتشاف، فوجه الإنسان هو بوابة الجسد وهُويّته وسمته بما ينطوي عليه من الحواس المركزيّة نظراً وسمعاً وشمّاً وذوقاً، لذا فإنّ محاولة التعرّف إليه وتصويره إذا اقتضى الأمر من أولويّات التقرّب منه وفهمه والتعاطي معه، وحين تطوّرت وسائل التواصل الاجتماعيّ وتقانات السوشيال ميديا الحديثة صار بوسع الإنسان أن يصوّر وجهه بهاتفة النقّل المزوّد بكاميرا أو أكثر، وسرعان ما تطوّرت هذه الفعاليّة الذاتيّة وصارت أشبه بعادة يوميّة يمارسها الجميع بقوّة تداوليّة عالية لا تقف عند حدّ، وقد أطلق على هذه الظاهرة التصويريّة الذاتيّة بلفظتها الإنجليزية المتداولة الـ "SILVI" بمعنى تصوير النفس أو الذات إذا ترجمناها إلى اللغة العربيّة.
استشرت ظاهرة الـ "SILVI" على نحو طاغٍ بحيث صارت سمة العصر الإليكترونيّ التواصليّ الاجتماعيّ الراهن، فلا تكاد ترى شخصاً يحمل هاتفاً نقّالاً "وبعضهم يحمل هاتفين أو أكثر" إلا وهو يصوّر حالَهُ وحدَه أو صحبةَ أصدقاء له بمناسبة وبلا مناسبة، من دون أن يسأل نفسه عن ضرورة هذا العمل ومناسبته وحاجته له، إذ أنّ اللاشعور الجمعيّ حوّلها إلى عادة جماعيّة لم يعد من المهم طرح السؤال عن جدواها وضرورتها وأهميتها، فثمّة عادة بالغة الهيمنة والحضور شملت الجميع بعدواها، ولم يعد أحد بمنجى منها تقريباً لفرط ضغطها على الناس في كلّ زمان ومكان، بحيث سرعان ما يقلّد أحدهم الآخر من غير أن يسأل نفسه عن أهميّة ما يفعل، المهم أنّه ينساق بفعل سياسة القطيع وراء ما يفعل الآخر ويقلّده فوراً، باحثاً عن نتائج يتوقّعها أو ينتظرها أو يحلم 
بها.
ولعلّ السؤال المنطقيّ الذي يمكن أن يُطرح في هذا المقام هو: لماذا ننشغل إلى هذه الدرجة من العناية النرجسيّة بتصوير أنفسنا بأنفسنا على هذا النحو الذي لا مبرّر له أحياناً؟ ولماذا هذا الإصرار على التقاط عشرات الصور المتشابهة في مكان واحد وزمن واحد وحال واحدة؟ هل هو النقص الذي يعانيه المرء في مخزون الذاكرة حين كان لا يمكنه في السابق الحصول بسهولة على آلة كاميرا يصوّر فيها مناسباته، وحلّ وقت التعويض بهذه السيولة المنقطعة النظير فلا بأس من اغتنام هذه الفرصة والذهاب فيها إلى أقصى الحدود الممكنة؟ 
بحيث لا يصلح السؤال هنا عن الجدوى لأنّ الجدوى على هذا النحو الاقتصاديّ المقنّن لم تعد تعني شيئاً للكثيرين من أبناء الآلة الحديثة، فالمهم هنا كما يبدو هو الفعل والممارسة مع حركة التيّار القطيعيّ الذاهب نحو المجهول.
تتناسل الأسئلة بشأن هذا الموضوع تناسلاً لا حدّ له استناداً إلى التعقيد والتشابك الذي ينطوي عليه هذا الموضوع من الناحية النفسية والأخلاقية والسلوكية والثقافية، وقد يكون أغلب هذه الأسئلة بلا إجابات واضحة لأنّ الغموض يهيمن على حركيّة الفعل التصويريّ ونتائجه وإشكالاته التي لا تنتهي، ليبقى فعل التصوير الذاتيّ على هذا النحو حائراً بمواجهة شبكة من المشكلات والتفاصيل والرؤيات والتحليلات، في خضمِّ تطوّرٍ هائلٍ يحصل في جوانب الحياة المختلفة تحت ضغط وسائل تطوّر الميديا المذهلة وهي لا تُبقي ولا تذر كما يقولون.
الوجه في مواجهة صورته ومحاولة تثبيتها على حالة خاصة تنسجم مع إحساس داخليّ يصدر أمراً بالالتقاط في لحظة بعينها، لحظة استثنائية خاصّة وخاطفة عمرها طويل ويدوم بدوام زمن الاحتفاظ بالجهاز الذي يلتقط الصورة ويحتفظ بها في حافظة الصور، غير أنّ كثرة الصور وتدافعها يحرّض صاحبها على الاستغناء عن بعضها كلّما امتلأت الحاضنة الصوريّة في الجهاز، وصار من الضروريّ والواجب التقاني التخلّص من الصور القديمة كي تفسح المجال للصور الجديدة، وهذه السرعة الخاطفة في التقاط الصور على هذا النحو السهل جداً، ومن ثمّ التخلّص منها بالسرعة نفسها أو أسرع لا يمنحها كثيراً من القيمة من الناحية التاريخيّة 
والجماليّة.
يصبح الوجه هو المادّة الأساسيّة للصورة شكلاً وعنواناً وسَمتاً ومعنىً وقيمةً وأصلاً، وثمة وجوه تصلح للصورة أكثر من غيرها فتصبح جاهزة أكثر لهذا النوع من الالتقاط الصوريّ تسمّى باللغة الإنجليزيّة " photogenic"، إذ يندفع صاحبها بثقة أكبر لتصوير وجهه باستمرار لأنّه يضمن نتائج جيدة لا تخيب إلا ما ندر، في حين لا يتحمّس غيره إلى هذه الممارسة بحيث يعرّض صورة وجهه لاحتمال عدم الوضوح أو التشويه، على نحو يجعله أقلّ اندفاعاً للتصوير وقد يقتصر على حالات معيّنة ومحدّدة يضطر فيها إلى مزاولة هذه الممارسة، لتكون العلاقة مع الوجه هي الأصل في فعالية "السيلفي" اعتماداً على جملة من الأسباب الاجتماعية 
والنفسية.
يتحرّى الإنسان في التواصل مع الآخرين أن يكون وجهه في أفضل حالاته – نضارةً وجمالاً وتأثيراً في الآخر-، لذا فهو يحاول ما وسعه ذلك العمل على تجميل هذا الوجه وتزيينه ودفعه باتجاه اكتساب ردّ فعلٍ إيجابيّ من المحيط الرائي الناظِر، وقد يكون الهوس في التقاط صور لا تنتهي لهذا الوجه في حالاته المتعدّدة نوعاً من التسويق الذاتيّ والموضوعيّ، وتمتين أواصر العلاقة الدائمة بين اليد التي تلتقط الصورة والوجه الذي يخضع للتصوير في فعاليّة "سيلفيّة" تبعث على الراحة والانتعاش 
والاستقرار.