مواقع دينيَّة رمزيَّة جرى تحويلها على مرّ القرون

الثلاثاء 14 تموز 2020 206

مواقع دينيَّة رمزيَّة جرى تحويلها على مرّ القرون
نيقوسيا/ أ ف ب
 
 
أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان تحويل كاتدرائية آيا صوفيا السابقة إلى مسجد بعد أن ظلت متحفا لنحو تسعة عقود. شيّد الصرح الذي صنفته اليونيسكو تراثا عالميا خلال الحقبة البيزنطية ككنيسة، لكن جرى تحويله إلى مسجد عقب سيطرة العثمانيين على القسطنطينية عام 1453. أبطلت محكمة تركية الجمعة قرارا حكوميا يعود إلى عام 1934 ويقضي بتحويل آيا صوفيا إلى متحف، ومهدت الطريق أمام تغيير وضعه إلى مسجد في 
24 تموز. 
 
تضاف هذه الخطوة إلى قائمة عمليات تغيير مماثلة لمواقع دينية جرت على مرّ القرون. في ما يلي بعض الأمثلة عليها:
 
الجزائر
بني جامع كتشاوة حوالي العام 1612 ووسّع في 1794، ما جعله أحد أكبر مساجد البلاد.
لكن حوّله الفرنسيون بعد عام من بدء استعمارهم البلد (1830-1962) إلى كنيسة كاثوليكية باسم سانت فيليب. 
نظّم أول قداس في المعلم في 24 كانون الأول/ ديسمبر 1832.
في العام 1838، حول الصرح إلى كاتدرائية العاصمة وتمت توسعته عبر إزالة أغلب أجزاء الجامع القديم.  عند استقلال الجزائر عام 1962، حوّل الصرح إلى مسجد مرة أخرى، وأقيمت فيه أول صلاة جمعة بعد 130 عاما. جرى منذ ذلك الحين تجديده بتمويل تركي. 
 
قبرص
كان مسجد السليمية في شمال نيقوسيا في الأصل كاتدرائية تحمل اسم آيا صوفيا، وقد شيّدها بناؤون فرنسيون رافقوا الصليبيين.
بني المعلم في القرن الثالث عشر خلال حكم سلاسة لوزينيان في الجزيرة الواقعة شرق المتوسط. 
حوّلت الكاتدرائية إلى مسجد عقب سيطرة العثمانيين على نيقوسيا عام 1570. 
بدورها، بنيت كاتدرائية سانت نيكولاس في مدينة فاماغوستا شمال الجزيرة في القرن الرابع عشر خلال حقبة لوزينيان، وهي أبرز مثال للهندسة القوطية في قبرص. 
جرى تحويلها إلى مسجد باسم لالا مصطفى باشا مع سيطرة الإمبراطورية العثمانية على المدينة الساحلية عام 1571. 
 
مصر
كان مسجد العطارين في مدينة الإسكندرية المتوسطية كنيسة تعود إلى العام 370 وتحمل اسم القديس أثناثيوس، وهو وجه مهم في الكنيسة القبطية الأرثودكسية.
حول المعلم الديني إلى مسجد مع وصول المسلمين في القرن السابع، وسمي نسبة إلى موقعه في سوق البهارات القديم في الإسكندرية. 
خلال حملة نابوليون، اعتقد مستكشفون أن الإسكندر الأكبر مدفون داخل المسجد في تابوت أخضر. 
جدد الصرح عدة مرات خلال الحقبة العثمانية، وفتح إلى العموم منذ أحدث ترميم له عام 1976.
 
لبنان
كان يوجد في موقع المسجد العمري الكبير وسط بيروت معبد روماني أو حمامات، قبل أن يبني البيزنطيون كنيسة هناك. 
عقب مجيء المسلمين، جرى تحويله إلى مسجد يحمل اسم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. 
لكنْ عند سيطرة الصليبيين الفرنجة على بيروت بداية القرن الثاني عشر، حولوا المسجد إلى كنيسة، قبل أن يعيد صلاح الدين الأيوبي السيطرة على المدينة عام 1187 ويحول المعلم إلى مسجد مرة أخرى.
سيطر الصليبيون على بيروت من جديد عام 1197، وحولوا المعلم إلى كاتدرائية. أخيراً، بسط المماليك سيطرتهم على المدينة في 1291 وأعادوه إلى مسجد، وبقي الأمر على ما هو عليه منذ ذلك الحين. 
 
الأراضي الفلسطينية
تعكس المساجد في مدينة نابلس بالضفة الغربية تاريخها طوال الحقبتين البيزنطية والإسلامية، الحملات الصليبية والحقبة المملوكية.
يرتبط عدد منها باليهودية والمسيحية المبكرة، على غرار جامع الخضراء الذي صار معلما إسلاميا منذ 1187 بعد أن كان كنيسة خلال الحملات الصليبية. 
أما الجامع الصلاحي الكبير في المدينة فقد كان كنيسة بناها الإمبراطور جوستينيان الأول في القرن السادس. 
عام 1186، حُوّل الصرح إلى مسجد من طرف الأيوبيين عقب سيطرة صلاح الدين الأيوبي على المنطقة. 
 
إسبانيا
كان جامع قرطبة، المعروف باسم ميزكيتا، في منطقة الأندلس جنوب إسبانيا، أقدس موقع ديني إسلامي في الغرب خلال فترة حكم الأمويين في القرنين العاشر والحادي عشر. 
حوّل المعلم إلى كنيسة كاثوليكية منذ سيطرة المسيحيين على المدينة عام 1236، ثم شيّدت كاتدرائية داخل الموقع.
يعتبر المعلم أحد أبرز أمثلة الهندسة الأندلسية، وأضيف المسجد-الكاتدرائية إلى لائحة اليونيسكو للتراث العالمي عام 1984.
وبحسب دائرة المعارف البريطانية فإن المسجد بني عام 785 للميلاد على يد الأمير الأموي عبد الرحمن الأول، ثم وسع في عهد خلفائه على الإمارة. وعندم سيطرالملك فرديناند الثالث على قرطبة في القرن الـ13 أقام كاتدرائية وسط المسجد.
في حين يشير الموقع الرسمي للمسجد إلى أن المبنى شهد تحولات عديدة، إذ كان في الأصل كنيسة قوطية.
وقبل بناء المسجد تشارك المسيحيون والمسلمون الصلاة في المبنى، إذ كان بعضه جامعا والبعض الآخر كنيسة.
وبعد فترة اشترى عبد الرحمن الداخل جزء الكنيسة وأضافه للجامع، وفقا لما جاء في موقع “معلومات عن قرطبة “الإسباني.
 
سوريا
يعدُّ الجامع الأموي في المدينة القديمة بدمشق أحد أقدس المواقع الإسلامية. 
بني الجامع في موقع معبد لجوبيتر حوّله الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول إلى كنيسة في القرن الرابع. 
صار المعلم جامعا في القرن السابع، وهو يحوي ضريح يوحنا المعمدان.
 
“العهدة العمرية”
واستنكر مغردون عرب ما وصفوه بـ “ازدواجية البعض في التعامل مع القرار التركي وكأنه سابقة في تاريخ البشرية”. ويقول هؤلاء إن تحويل دور العبادة كان إجراء طبيعيا مارسته مختلف الديانات والحضارات، فعادة ما يفرض المنتصر أو القوي ثقافته ودينه وهويته على معالم المدن التي يسيطر عليها” وفق قولهم.
في المقابل، أطلق مغردون آخرون وسماً بعنوان “العهدة العمرية” لتذكير المهللين لقرار تحويل آيا صوفيا مسجد بالوعد الذي قطعه عمر ابن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين لسكان القدس ورفضه الصلاة في كنيسة القيامة، حتى لا تتحول لمسجد لاحقا خلافا لما حصل مع محمد الفاتح. لم ينته الجدل عند هذا الحد بل احتدم بين فريقين مالا إلى استعمال الشعارات الدينية.
فبينما يؤكد أحد الفريقين على أحقية المسيحيين في المعلم التاريخي، لأنها كانت كنيسة لفترة أطول زمنيا مما كانت عليه كمسجد، رد عليهم آخرون باستعراض أمثلة على مساجد تحولت إلى كنائس في أوروبا.
وفي خضم هذا السجال المحتدم علقت إحداهن: “جدل عقيم. نعيش اليوم في عالم يحكمه أمثال أردوغان وترامب. في عالم لا يعترف بالقيم الإنسانية ويمهد لظهور قوى جديدة تبحث عن مفاهيم جديدة للانتماء والمواطنة أقرب للقرون الوسطى”.
 
“حزن شديد”
من واشنطن إلى باريس مروراً باليونسكو وخصوصا الدول الأرثوذكسية كروسيا واليونان، توالت الانتقادات للقرار الذي أعلنه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان.
وقد ضم البابا فرنسيس أمس الأحد صوته لمنتقدي قرار تركيا تحويل كاتدرائية آيا صوفيا السابقة في اسطنبول إلى مسجد، معربا عن “حزنه الشديد” لذلك.
وقال البابا خلال صلاة التبشير “افكاري تتجه إلى اسطنبول، أفكّر بآيا صوفيا. إنني حزين جداً”، وذلك أثناء خروجه عن النص المعدّ مسبقاً.
ويمثّل تصريح البابا أول تعليق من الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية على القرار التركي. وكانت صحيفة الفاتيكان “لوسرفاتوري رومانو” نقلت بشكل إخباري الأحداث، موردة أبرز ردود الفعل الدولية من دون تعليق. لكنها شددت على الانتقادات في مقال بعنوان “كنيسة آيا صوفيا من متحف إلى مسجد”.
وآيا صوفيا تحفة معمارية شيدها البيزنطيون في القرن السادس وكانوا يتوّجون أباطرتهم فيها. وهي مدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، وتعد واحدة من أهم الوجهات السياحية في اسطنبول. واستقبلت 3,8 ملايين زائر عام 2019.
وبعد سيطرة العثمانيين على القسطنطينية في 1453 وتغييرهم اسم العاصمة السابقة للامبراطورية البيزنطية إلى اسطنبول، حوّلوا الكاتدرائية مسجدا في العام نفسه.
وبقيت كذلك حتى العام 1935 حين أصبحت متحفاً بقرار من رئيس الجمهورية التركية الفتية مصطفى كمال (أتاتورك) وذلك بهدف “إهدائها إلى الإنسانية”.
 
تحفة هندسية
ودانت مديرة اليونيسكو اودري ازولاي القرار “المتخذ بدون حوار مسبق والمتعلق بتحفة هندسية ودلالة فريدة على التقاء اوروبا وآسيا على مر القرون”. ودانت الحكومة اليونانية “بأشد العبارات” القرار التركي ووصفته وزيرة الثقافة لينا مندوني بانه “استفزاز للعالم المتحضر”.
وقال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إنّ القرار “لن يؤثر على العلاقات بين اليونان وتركيا فحسب، بل أيضاً على علاقات تركيا بكل من الاتحاد الأوروبي و(منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم) اليونيسكو والمجتمع الدولي بأسره”.
والشهر الماضي حذر بطريرك القسطنطينية برثلماوس من أن تحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد قد “يدفع بملايين المسيحيين في العالم إلى معاداة الإسلام”. وأضاف المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية فلاديمير ليغويدا “نلاحظ أن قلق ملايين المسيحيين لم يلق آذانا صاغية”. 
وحذر رأس الكنيسة الارثوذكسية الروسية البطريرك كيريل من “أي محاولة لإذلال أو إهانة التراث الروحي العريق لكنيسة القسطنطينية” التي تعتبر روسيا أنها وريثتها الرئيسية إلى جانب اليونان. وكان الكرملين أشار إلى أن لآيا صوفيا “قيمة مقدسة” للشعب الروسي لكنه اعتبر أن مسألة تحويلها إلى مسجد “شأن داخلي تركي”.
وأعربت واشنطن عن “خيبة املها” و”دانت” باريس قرار تركيا في وقت أعلن المجلس العالمي للكنائس الذي يمثل 350 كنيسة مسيحية أنه بعث برسالة لإردوغان السبت يعبر فيها عن “الحزن والاستياء” إزاء قراره تحويل آيا صوفيا مسجداً.