منصب الوزير

الأربعاء 15 تموز 2020 109

منصب الوزير
حسن العاني 
 
قبل عدة سنوات وبدعوة كريمة من عميد كلية الاعلام وأربعة من زملائي الأساتذة في الكلية ، وهم من اعز أصدقائي ، ألقيت محاضرة على نخبة مختارة من الطلبة ، وقد ترك لي السيد العميد مشكوراً حرية اختيار الموضوع ، ولذلك بعد تفكير طويل، رأيت أن ابتعد عن الموضوعات التقليدية كالحديث عن تجربتي الصحفية أو أهمية الخبر الصحفي في بناء المجمعات السكنية أو تأثير الفضائيات في التأجيج الطائفي ، لان الطلبة شبعوا وملوا من الأحاديث المتكررة التي يسمعونها يومياً سواء من أساتذتهم أم عبر وسائل الاعلام ، وهكذا توصلت إلى فكرة طريفة وفنطازية وربما صادمة بعض الشيء ووضعت لها العنوان التالي (احذر أن تكون وزيراً) ويبدو ان اختياري لعنوان المحاضرة كان ناجحاً بصورة استثنائية ، حيث بلغ عدد الحضور من الأساتذة الأفاضل والطلبة الأعزاء عشرة أضعاف المدعوين رسمياً ، إلى الحد الذي غصت فيه القاعة وبدا المشهد وكأنه اقرب مايكون إلى صلاة العيد أو الصلاة الموحدة!! . ولكي تتوفر محاضرتي على أعظم قدر من التشويق والاستفزاز ، فقد بدأت حديثي من النتيجة النهائية ، ثم عدت إلى تقديم الأسباب ، وقلت لهم ان مفردة (وزير) هي عنوان يعبر عن نوع العمل كما نقول محاسب أو معلم أو ملاحظ، ولايمتلك هذا العنوان اية ميزة خاصة به سوى انه يحتل مرتبة متقدمة في جدول السلم الوظيفي وانا احذر ابنائي الطلبة من التفكير بهذه المرتبة أو الدرجة الوظيفية لانها العن درجة في تاريخ الوظائف العراقية !! . ثم واصلت كلامي قائلاً : تعرفون ان العملية السياسية تتكون من طرفين هما الحكومة والبرلمان ، مثلما تعرفون ان الحكومة يمثلها (الوزير) والبرلمان يمثله (النائب)وعلى وفق الدستور ومعطيات الديمقراطية لاتمتلك الحكومة شيئاً بينما يمتلك البرلمان حق الرقابة على الحكومة ومحاسبتها أو معاقبتها أو اقالتها ، مثلما يمتلك صلاحية استضافة الوزير واستجوابه بطريقة عدوانية أحياناً ، وقد يحجب الثقة عنه وقد يحيله إلى القضاء أو التقاعد، ولاتتوقف متاعب الوزير عند هذا الحد ، فرئيس الوزراء بدوره يراقب اداءه عن كثب ويحاسبه على أي تقصير في وزارته وفوق هذا وذاك فان وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني تحاصره بالنقد مرة والانتقاد مرة أخرى ، ولايتوانى بعض الفقراء والمحتاجين من الدعاء عليه علانية أو في حضرة الائمة أو في قلوبهم وأسوأ من ذلك كله فان الإرهابيين يقصدون موكبه ويريدون به سوءاً، وهكذا تلاحظون أن الوزير هو أكثر موظفي الدولة تعرضاً للظلم والاضطهاد والأذى ، ومع ذلك تتقاتل الكتل البرلمانية على الوزارات خاصة السيادية ، وأنصحكم أبنائي الحلوين وأحذركم في الوقت نفسه من التفكير بمنصب ( وزير) أو جعله على رأس أحلامكم المستقبلية!
حين انتهيت من المحاضرة لم يصفق لي سوى خمسة أساتذة من ضمنهم العميد تصفيقاً باردا لعله لأغراض المجاملة ، بعدها بدأ النقاش حيث وقف احد الطلبة وخاطبني بلهجة لا تخلو من سخرية ( جنابك الكريم تمنع علينا حتى أحلامنا البسيطة في تولي منصب وزاري .. لماذا ؟ هل تريد الاستئثار به لنفسك أم تخشى أن ننافسك عليه) وضج الحاضرون في القاعة وخارجها بالتصفيق المدوي والهتافات المحرضة ضدي ، وراحوا يرمونني بكل رخيص بين أيديهم من كتب وملازم وأقلام ، ولولا وقفة العميد والأساتذة وحضور حرس الكلية وإبعادي عن المكان بسرعة لتوزع دمي بين القبائل.