قصيدة المشهد

الأربعاء 15 تموز 2020 78

قصيدة المشهد
 
جبار النجدي
 
 
تخضع نصوص الشاعر عبد الأمير العبادي في مجموعته (تراتيل الكاهن) إلى أسلوب وتداعيات قصيدة المشهد والامتثال إلى منطقها على نحو يجعل من العسير تخطي سطوتها المشهدية القائمة على المشابهة الصورية، التي تتيح لنا اكتمال المتعة في الشعر والتي لا يمكن إمتلاكها طويلا لتكرار القراءة وطبيعة المتلقي ودرجات وعيه في كل حين ذلك يتطلب جهدا شاقا في الانبات الشعري للمعنى والدلالة تبعا لحاجته في سياق النصوص تجاه غنى العالم من حولنا في السياق المكاني والزماني وحيزهما الجغرافي العيني رغم أن الشعر لا يخضع لزمان محدد، وذلك أمر يفرض تحديا لاسيما حينما تكون الكتابة الشعرية أشبه بحاشية من حواشي الزمن التي تفترض مشهدا لانلم بأطرافه لكنه منتج لغرابة الصورة ومتيحا لها أن تلعب بحرية وهو امتحان للذات التي لاتتعايش بشروط متساوية أو كخيار لا بد منه وبمثل هكذا تصور يبتدع النص المشهدي وجودا زائلا سعيا في أن تكون الصورة الشعرية نادرة التوقع في القصيدة:
أنا أكره الورقة/ التي يغش/ فيها الأصدقاء/ أكره القلم/ الذي يرسم/ الأشباح/ أكره أن أختار/ أرضا لموتي..
ومن ثم ينحرف النص إلى مسار آخر وكأنه ينحو منحى قريب الشبه  من طريقة توليد (قصة داخل قصة) وقد لا تصل إلى نقطة ختامية فالنهاية بمثابة نهاية متخفية وتلك وسيلة من وسائل ارسال خطابها الشعري الموغل بتصفح المكان عبر الاقتران التصادفي مع امرأة  ومسافة  لاتتضمن أي مسير بسبب أن النص لا ينوي الوصول إلى تلك القرى البعيدة التي لالزوم فيها للخرائط ولاتشارف على نهاية بعينها وتتطلب شكلا دائريا ومزيدا من 
الانتظار :
قالت لي امرأة/ تعالَ نرسم زوايا/ قلت لا أحب أشكال الزوايا/ حيث القرى المنزوية/ ولا يزورها الضوء/ لذا اني أعشق/ 
الدوائر..
تمضي صورة المشهد في نصوص الشاعر عبدالامير العبادي نحو العلاقة المتلازمة مع الانبهار الشعري وابتكار صور عذراء لم تكتشف من قبل، وهي تقدم مؤشرات لبدايات مظللة يستمر بمقتضاها القصد التواصلي للنصوص وتكتشف فيها أمتع النتائج تلك ظاهرة مصاحبة لفرص التأويل عبر المسلك الايحائي لكتابة النصوص وخفاياها غير المشخصة فهي متخيلة وواقعية في آن معا، بمعنى أنها مركبة من معنيين المعنى الواقعي يجاوره تماما المعنى المبتكر  أو مايسمو على الأصل ومايظهره المتلقي من ردود تتصل بظروف قراءة النص الذي يفصح في النهاية عن مدى زمني لوجوده الملازم للنص ووشاياته عبر  الزمن :
أحرك/ قطع الشطرنج/ أتساءل؟/ حتى أنت يا ألعاب التسلية/ يقتل فيك الجنود/ وتبقى القلاع/ تحرس الملوك
ويلتفت نص ( قال لي ولدي) إلى شخصية عملت منجزا استباقيا وحياة يلامس النص أقرب معانيها إذ أتاحت  لنفسها أن تتحول إلى بنية فاعلة بما تظهر من متخف عنها لكي يلتحم الناس عما هو مقصى عنهم عنوة وقسرا ليطلق الذكرى من جديد نحو عوالم خالدة ونستطيع في ضوء هذا أن نرى الشعر متلبسا بشخص يتمتع بشعرية المخفي وهو المعطى الذي يكاد يكون الأصعب من معطيات الشعر بوصفه يمثل الادراك لحالة قد عرفها الجميع ويستذكرها على غرار شيء لا يتوقف متحديا الإقامة العابرة للحظة زمنية انطلاقا من مخالطة الشعر للأسى الكامن في هذه الشخصية التي تتفجر في ذكرها نفائس الأعمال الماثلة في تعبيرية  النص عن إنسان لايدركه التلاشي ولايخذله الحس 
الرصين :
يعتقد أبي/ أن الزعيم حي لم يمت/ كان يعلق ثلاث صور للإمام علي/ كان يخفي صور الزعيم/ ماجد محمد أمين والمهداوي/ مات أبي وظلت صور الزعيم حية..
لعل الشاعر العبادي يفهم مشقة الشعر لكونها بحثا عن المشاعر والمتاعب واصطياد الصور الشعرية ببراعة، ومتاعب البحث عنها من أفق لأفق لتذوق ما تحمله من بريق وندرة.