كانت تريد مواصلةَ كلامٍ لا تقوى عليه

الخميس 16 تموز 2020 99

كانت تريد مواصلةَ كلامٍ لا تقوى عليه

عبدالزهرة زكي
 
في حادث سيرٍ قُضي على العائلة قبل خمس وعشرين سنة، لم يبق منها سوى السيدة (ل، ج)، وحفيد لها. كانت (ل. ج) في الأربعين من عمرها حينما حصل الحادث الذي لم تشهده، لم تكن مع مَن ماتوا، كانت قد بقيت في المنزل بفعل طارئ صحي طفيف.

كان هو الناجي الوحيد لكنه لا يذكر شيئاً مما حصل، فقد كان رضيعاً. وكانت هي تقول: لقد حال قدرُ الله دون سفري، فأبقاني في الحياة إنما إكراماً لهذا الطفل الذي نجا بأعجوبة. 
من أجل هذا فقد وهبت ما بقي من عمرها لتربية الطفل، وحيدين في منزلهما. هي يندحر بها العمر نحو الشيخوخة حتى أمست شبه مقعدة، وهو تتقدم به السنوات نحو الشباب حتى تخرّج في كلية التمريض قبل أربع سنوات.
طبيعة عمله في ظرف الوباء كانت تقتضي منه المبيت لأيام في المستشفى، لم تعتد السيدة (ل. ج) على أنْ تشكو أو تتبرم يوماً من وحدتها في المنزل، لكن في هذه الأيام باتت تضيق بالوحدة القسرية جراء كورونا.
«كل ما هو مفروض مكروه» كانت تقول مع نفسها، وكانت تعزّي النفس بقيمة الصبر من جانب، وبفخرها، من جانب آخر، بما يعمل ويسهر من أجله الحفيد بعيداً عنها.
قبل خمسة أيام فكّرَت بزيارة عائلة صديقة لم تزرها منذ أشهر، فكانت هذه من المرات النادرة التي غادرت فيها المنزل. لقد تكيفت مع حياتها فيه ولم يخرجها منه طيلة السنوات سوى مشاركات متباعدة كانت تضطر عليها بفعل مناسبات اجتماعية سعيدة أو حزينة.
حين زارت العائلة الصديقة لم تبقَ طويلاً هناك. كانت تفكر باحتمال مجيء الحفيد من عمله، وكانت تقدّر أن ربة البيت الذي تزوره، وفي غمرة ترحيبها بالسيدة (ل. ج)، كانت تسعى لتواري معاناتها جراء عارض صحي تمرّ به.
بعد أقل من ساعة غادرت العائلة، وبعد يومين بدأت تظهر عليها أعراض نزلة برد وضيق في التنفس.
«إنها حالة عابرة»، فكرت..
لم تسعَ للاتصال بالحفيد الممرض، لا ينبغي أنْ يقلق وينشغل عما هو فيه، هكذا رأت، في الكثير سيأتي اليوم أو صباح الغد، فقد تأخر هذه المرّة كثيراً. سيأتي وسيجلب الدواء اللازم.
كان وضعها يتدهور سريعاً ويزداد سوءاً، بعد ساعات كانت تشرح للحفيد عبر الموبايل ما حصل وما فكرت به، كانت تريد أنْ تعتذر منه لاتصالها في هذا الوقت المتأخر من الليل. وكان الحفيد مسرعاً ينهض، ويغادر.
في الطريق كان صوت الجدة يأتي متباطئاً ومتعثراً، وكان الحفيد يطلب منها إنهاء الاتصال، فيما كانت هي تريد مواصلةَ كلامٍ لا تقوى عليه.
لقد سقط الموبايل من كفها، وحين كان الحفيد يصرخ فقد كان لا يسمع شيئاً من موبايل الجدة الذي بقي يشتغل ولكن من دونما صوت.