تداخل النص الشعري في {أراكِ حيث لن تكوني هناك}

الخميس 16 تموز 2020 168

تداخل النص الشعري في {أراكِ حيث لن تكوني هناك}
 يوسف عبود جويعد
 
 
 
يحاول الشاعر جبار الكواز، وعبر نصوصه الشعرية (أراك حيث لن تكوني هناك)، الخروج من الفضاء الضيق، إلى فضاء مفتوح واسع رحب، يتحرك فيه بكل حرية، وهو دائب على إحداث المتغيرات التي تدخل في عالم التجريب والحداثة، إذ أن تلك النصوص قسمت الى قسمين، الأول (أراك)، والقسم الثاني (حيث لن تكوني هناك)، وكذلك النص الشعري الواحد قسم إلى قسمين ضمن عملية البناء للنص، فالظاهر من النص هو عملية الرؤية الفنية والخيالية والعاطفية والوجدانية لتلك المرأة التي يراها حيث يكون هو ولا تكون هي، لتتدفق المفردات الشعرية الحسية الانزياحية حالمة شفافة مؤثرة تنطلق من نقطة الحنين والشوق والبحث عن آثار الحبيبة ووجودها بين الأشياء التي مرت بها، البستان، البيت، الشارع، الأشجار، النساء، الأماكن والأزمنة، وأما القسم الثاني فإنه يتفرع من مفردة يتوقف حيث يجد أنها وحدها لا يمكن لها أن تحتوي الغزو الكبير للهواجس والاحاسيس الجياشة، فيضعها بين قوسين وبخط عريض مختلف، وهذه الميزة انفرد فيها الشاعر، وجعلها واحدة من السمات التي اتسم بها، وسوف نمر على توضيح هذه الميزة أكثر ونحن نطوف في تلك النصوص، أما بنية العنونة التي اختارها الشاعر لهذه النصوص، فإنها خرجت عن إطار العتبة النصية الموازية، لتكون ضمن متن النص وجزءًا لا يتجزأ منه، ومن أجل أن نخرج عن قيود العنوان لكل نص شعري فقد عمد الشاعر إلى جعل النصوص مرقمة لكي يحافظ على انسيابيتها وإيقاعها وتدفق الحس الشعري فيها والمشاركة الفاعلة للمتلقي وهو يرى هذه الانثيالات المفعمة بخيال خصب لرؤية الحبيبة، وبدون أي مؤثرات خارجية ندخل عوالم تلك النصوص لنكون مع القسم الاول (أراك...)  ومع النص الشعري الذي يحمل الرقم (1):
ها قد مضت سنوات / وانت تفركين السلوى بالخوف / تتعثرين بحجارة في طريق نمل / أو / بظلال خاتل في قوس قزح / لم تتهجي أسراري بعد / أسئلتي العطشى تقلب رزنامة الموتى / لتعين نفسها على الاجابة. 
وهكذا يستمر هذا النص بتلك المناجاة، حتى نصل نقطة التحول والتغيير، حيث القسم الثاني من النص الذي ينطلق مفسراً لمفردة ظهرت في القسم الاول منه، وهي حالة وجدها الشاعر ضرورية من أجل احتواء كل المشاعر والوقوف على الشكل والتكوين للنص، وبعد (فهلا سألتي:) التي ظهرت في متن النص يرى الشاعر عليه أن ينطلق ليغلق هذه الأشياء بين قوسين وبخط عريض مختلف:
(جداراً متى اتكأت عليه؟ / قدحاً حطمته في عاصفة الجنون / ورقاً – الأوراق كثر- ألوانها تمسح أيام الأسبوع / بلا عطلة او جنون / دفتراً أسنت كلماته فصار حقلاً لبكاء أصم / مقهى غادره المطر نكاية بالأوهام / بيت شعر له الأسماء الحمقى كلها جيرانكم وهم يترصدون خطى خيالاتهم بخطى / الغرباء / أمي فقيرها دارس في حديقة البلدية / أبي بحّ صوته وهو يبكي كربلاء) 
وهكذا نكتشف أن عملية تكوين النص الشعري لدى الشاعر جبار الكواز تعتمد على نسق فني مغلف بأكثر من غلاف، النص، والنص الداخل، والوقفة الشعرية التي تحتاج إلى انطلاقة شعرية فرعية من أجل اكتمالها، وفي النص الشعري الذي يحمل الرقم (2) نجد هذا التنوع وهذه الرؤية أكثر 
وضوحاً: 
ما يثير / خوفي عليك / (أن اللحظات تمر بي دون أن تسألني عنك / الدروب النائمة في ظهيرة الفاجعة لم ترسم / بصمة خطواتك / القباب تستحي من عروجك / الغرباء يعرفونك حين ينظرون إلى عيني/ المواعيد لم تألف انكسار دقائقها في الزوايا / شبحاً ما يزورني يتحسس مواجعي كلما اتطلع الى / مرجك / أصدقاء الضب / اصدقائي الرجال يحوكون مؤامرة لقائي ..
وهكذا نعيش مع العاشق الولهان، الذي يطوف هائما بخيال يعبر سيل الأحاسيس الوهاجة الملتهبة لتمتزج مع الحلم والعاطفة والشوق من أجل ان تكون الحبيبة موجودة حيث يراها هو حيث لا تكون موجودة، وفي النص الشعري رقم 13 يعلن بشكل واضح هذا الإحساس: 
الأشجار/ ثمار الجوز المتساقطة / الأطفال / العباءات السود / المتسول الأعمى / اللحى الكثة / يتكلمون بفصاحة ساحر / وأنا حائر أتلفت / باحثاً عنكِ / لأمسك يديكِ / لأراكِ / حيث لن تكوني هناك.
ضم القسم الأول من هذه النصوص (أراكِ) اثنين وأربعين نصاً، نطوف فيها مع العاشق الولهان وهو يناجى حبيبته في مسيرة حياته وحيث ما حل وحيث ما رحل، لا يمتلك إلا هذه المناجاة وسيلاً عارماً من المشاعر الملتهبة الوهاجة، فهو يستحضرها دائماً رغم لوم اللائمين، وينطلق في دهاليز الوجد عميقاً حيث يراها في كل
المواطن. 
أما الجزء الثاني من تلك النصوص (حيث لن تكوني معي) فإنها اختلفت من حيث البناء النصي والنسق الفني والرؤية الشعرية صارت أكثر كثافة، وحملت النصوص عناوين وأرقاماً، وفي النص الشعري (اين أنت الآن) يختتم الشاعر جبار الكواز تلك النصوص:
كيف لي أن أرفق بي وأنت معي؟ / غائبة في حضورك وحاضرة في المغيب / غري غيري بخيلائك او بنثيث أوهامك / لا وقت لدي بما تبقى من هطولي / ولا مزامير تحرق أنينها في أعشابي / ولا سفن فقد سرقتها الأشرعة في السواحل / كيف لي أن أراك في ذاكرة نافذتي المثقوبة / او أصعد إليك / لألمسك حيث لن تكوني هناك / صخورك حرير / موتك حياة / ظلامك ضوء/ ورجسك وضوء/ فمن يفرك روحي لتسيل عند بابك؟ إن التفاعل الحقيقي مع المسيرة الشعرية يتطلب البحث الدائم عما هو جديد، وغير تقليدي ويتطلب جهداً غير اعتيادي من أجل بناء نص شعري يخرج من شرنقة القيود، إلى فضاء أرحب.
 
من إصدارات دار الفرات للثقافة
 والاعلام – العراق – بابل 2017