دجل المثقفين

الخميس 16 تموز 2020 1019

دجل المثقفين
 
جون هنلي ترجمة: جمال جمعة
 
 
 
 
فقط في فرنسا، يصير بنيويو ما بعد الحداثة وحداثيو ما بعد البنيوية النسبويون نجوماً في التلفزيون. فقط في باريس يمكن للناس التصريح بجدية أن مهنتهم أنهم مفكرون. وفقط على الضفة اليسرى من نهر السين يمكن لصوت ضئيل، لكن صريح النبرة يصدر عن عالمين أجنبيين، أن يتسبب بمثل هذه الضجة الكبيرة.
الأميركي آلان سوكال والبلجيكي جان بريكمون تجرآ على قول ما لم يستطع قوله أحد آخر: الفلسفة الفرنسية هي كوم من الهراء العتيق.
"هدفنا هو القول بأن الإمبراطور بلا ملابس"، كما كتب العالمان في مقدمة كتابهما "دجل المثقفين" الذي سبقت نشره مجادلات غاضبة ـ ومبهمة ـ في مقاهي الحي اللاتيني.
"أردنا "تفكيك" السمعة التي تشيع بأن هذه النصوص صعبة لكونها عميقة، أن نظهر بأنها إذا بدت غير مفهومة فإن ذلك يعود إلى سبب وجيه للغاية، وهو أنها ليس لديها ما تقوله".
المؤلفان ـ بروفيسور فيزياء في جامعة نيويورك وعالم فيزياء نظرية من جامعة لوفان ـ نحرا الأبقار المقدسة للفكر الفرنسي المعاصر الواحدة تلو الأخرى، من المحلل النفسي جاك لاكان والسيموطيقية جوليا كريستيفا وحتى برونو لاتور عالم الاجتماع العلمي، والفيلسوف اليساري البارز ريجيس ديبريه.
"إنهم يتحدثون بغزارة عن النظريات العلمية التي بين أيديهم بفهم مبهم للغاية في أفضل الأحوال. يستعرضون سعة معرفة ظاهرية من خلال إلقاء الكلمات على القراء في سياق لا علاقة لهم به. إنهم يظهرون سُكراً حقيقياً بالكلمات، ممزوجاً بلا مبالاة رائعة"، كما يكتب العالمان.
مقتبسين بوفرة عن بعض أعظم العقول في فرنسا، شرع السيد سوكان والسيد بريكمون بتهديم منهجي لكتاباتهم بوصفها مبهمة بتعمد، ملتوية بإفراط، وهراء علمي زائف. 
جاك لاكان، أحد أشهر المحللين النفسيين في القرن العشرين، أُنتُقِد لأنه "يخلط بشكل اعتباطي بين الكلمات الدالة للنظرية الرياضية من دون أدنى اهتمام بمعانيها". 
يتناول الكاتبان استثناء معيناً لإحدى نظريات السيد لاكان الأقل شهرة، والتي يجادل فيها بأن "العمود المنتصب، ليس منتصباً بنفسه، ولا حتى كصورة، بل كجزء مفقود من الصورة المرغوبة، ومن ثم فهو يساوي الجذر التربيعي لـ "1" لأعلى معنى منتج". في محاولة لتحديد صيغة رياضية للغة الشعرية، فإنّ الآنسة كريستيفا مذنبة أيضاً "بمحاولة التأثير على القارئ بمفردات علمية لا تفقهها بجلاء".
"لديها فكرة ملتبسة عما تتحدث عنه، لكن لا أكثر". إن أعمال جيل دولوز، الفيلسوف الفرنسي الأساسي المعاصر الذي توفي مؤخراً، "تتسم على الخصوص بنقص وضوحها... محشوة بمصطلحات تقنية تستعمل خارج السياق، ومن دون منطق واضح".
وعن جان بودريار، وهو عالم اجتماع مؤثر وكان له عمود منتظم في صحيفة "Liberation"، يستنتج المؤلفان: "في التحليل النهائي، يتساءل المرء عما سيتبقى فعلياً من أفكار بودريار إذا ما أزال المرء قشرة الإطناب التي تغطيها". ومن غير المفاجئ، فقد ألهب الهجوم غير المسبوق الضفة اليسرى  Left Bank، موطن قشدة المفكرين الفرنسيين منذ أيام جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، وأثار غضباً عارماً في الصحافة.
"هذه حرب"، أعلنت صحيفة  "Le Figaro"، بينما كان الغلاف الأمامي للمجلة الأسبوعية "Le Nouvel Observateur" يناشد: "هل فلاسفتنا دجالون؟".
ملسوعين، سارع المفكرون بالرد على عجل: "ما هو الهدف من مثل هذا الجدال، البعيد إلى هذا الحد عن  انشغالات اليوم؟"، تساءلت الآنسة كريستيفا، "إنها مغامرة متهورة معادية للمثقفين الفرنسيين".
كما يراها الكاتب روجر ـ بول دوريت كجزء من موضة خبيثة جديدة "للعلمية، بالضد من اللياقة الأدبية". من الواضح أن الفلاسفة قد اهتزوا. وعلى حد تعبير مستهدَف آخر في الكتاب، المحلل النفسي فيليكس غوتاري: "الوجود، بوصفه عملية نفي، هو عملية ميكانيكية بينية محددة تضيف نفسها إلى تعزيز كثافات وجودية متفردة. إنه بالكاد قابل للعيش".                                   
 
عن The Guardian