ستراتيجيَّة بناء الفضاءات في الرواية

الخميس 16 تموز 2020 249

ستراتيجيَّة بناء الفضاءات في الرواية
كمال عبد الرحمن
 
تنبني الرواية بخمسة فضاءات رئيسة، هي (العتبات النصية) وهي أسيجة ومكملات نصية تحيط بالمتن، 
و(الزمن)، وهو كما يقول فورستر (هو الخيط او السلك الذي تنتظم به البنية التعبيرية السردية وأن الروائي لايستطيع أن يكتب نصه من دون زمن)، و(المكان) الذي يقول عنه باشلار (البيت هو ركننا في العالم وهو كون حقيقي بكل معنى الكلمة).
وهذه إشارة واضحة الى أهمية المكان في بناء النص الروائي، و (الشخصيات) فالشخصية تعد من أكثر العناصر فاعلية في بناء الرواية، كونها العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده العناصر الشكلية وتتأتى أهميتها المتزايدة من قدرتها ـ بفعل مبدعها ـ على الكشف عن الصلات العديدة بين ملامحها الفردية، وبين المسائل الموضوعية العامة، بمعنى تمكنها من خلق فضاء واصل بين ماهو ذاتي وموضوعي، وأخيرا ( الرؤية:(vision، فالمتعارف عليه في فن السرد أن الحاكي (السارد) في الغالب يُنصّب نفسه وصياً على نصوصه، فهو خالق النص، وهو سارده، بطريقة المهيمن  ـ أو الطاغية المتسيّد على مملكة النص ــ،  وان كانت لدينا اعتراضات على دور الطاغية الكاتم على أنفاس النص، لأنها مسؤولية أسلوبية تظهر مدى مرونة الحاكي وقدرته على التحكم بمشاعره ازاء تصويره السردي للحبكات والصور والأحداث والوقائع.
تحت هذه اللوائح الخمس تنبني الرواية، ونحن هنا نتحدث عن روايات انتجها كاتب يواصل امتحان قدراته الاعجازية يوميا، سارد يثق بوعيه العالي وثقافته التاريخية وذكائه الشديد ولغته الخاصة، في البحث والتنقيب عميقا في أغوار الغائص والمجهول والمنسي والصعب من الوقائع الحسية وغير الحسية، كثير المغامرة، شديد الاقتحام، لايفكر كثيرا بالعواقب، مادامت لديه المؤهلات لكي يقتحم العقبة. هكذا تبدو الرواية في عالم نزار عبد الستار السردي، دورة امتحانية يختبر السارد قدراته الفذة على تشكيل وعي نصي جديد، ويتفوق في كل مرة على أسلوبية السرد، ويُنقّي أوعية الكتابة التقليدية، وذلك ببث دفقات من التجديد الواعي في شرايين النص الروائي، كي لايصاب خطابه السردي بالترهل او انسداد الشرايين، وهو مولع مؤمن بقدرة (الماضي) على استنهاض همم الحاضر، ووضع الخطط الناجعة لبناء مستقبل حي ناصع شديد البياض، وهذه حسنة سردية لم نألفها لدى روائيين آخرين، يتسابقون في اقتحام مجريات الحاضر بحثا عن حلول، في الوقت الذي يكون فيه نزار عبد الستار مشغولا في البحث عن الجذور، من هنا تتلبس نصوصه لباس المغامرة والتحدي الذي عُرف به دائما، وهذا قدره الابداعي وشأنه في ابتكار خطابات سردية مائزة رائية شديدة الحساسية، فيها تفرد في اختيار الوقائع  ووعي عال ولغة مكتنزة بالصور والدلالات.
و(العتبات النصية) لدى نزار تشتغل على خطين من المناص، المناص الأول هو (العنوان) وهذا يظهر جليا من تشكيل العنوانات المختلفة في منجزه السردي، فروايته (السمارتو)، ينبثق العنوان من الأسطورة، وتشي الافتتاحية النصية بتعالق الواقع مع الأسطورة من خلال علاقة طفل بملاك أو كائن أسطوري على شكل ملاك، وفي رواية (ترتر)، يكون العنوان تأويليا أكثر مما هو عنوان تقليدي لقطعة قماش تثبت أسفل فستان المرأة، وفي رواية (يوليانا) يمثل العنوان شخصية دينية من خلالها تنبعث الحوادث وتشتغل تفاصيل الرواية، وفي رواية (مسيو داك) ترميز استعاري لشخصية افتراضية، تمثل ثنائية جدلية أشبه بـ (كرامر ضد كرامر) لكن (داك) هنا يتشكل من تعالق مصيري بينهما لايفرقهما أبدا، والمناص الثاني هو (الإهداء) وهذه العتبة النصية تبدو بوضوح أنها أشبه بألغاز شخصية خاصة يوجهها السارد في الغالب الى أناس يعرفهم وتربطهم به ذكريات او علائق شخصية، ففي روايته (ترتر) نقرأ (تعظيما لذكرى 26 آب 2016)، وفي (مسيو داك) يكون الإهداء (وفاءً لوعد قطع عند الثالثة من بعد ظهر يوم 2/5/2019)، وفي رواية (يوليانا) يمنحنا الأهداء شيئا من تفسير مقنع لبعض معطياته (الى الذين حملوا الصليب وخرجوا من الموصل في 19 تموز 2014) فالحادثة معروفة ــ في الأقل بالنسبة لأهالي الموصل ــ حينما طرد داعش المسيحيين من مدينة الموصل في هذا التاريخ بحجة إجرامية جاحدة.
وفي ستراتيجية (الزمكان)، يبني نزار فضاءات رواياته من أزمنة مختلفة، ففي (السمارتو) يمتزج (الحاضر) بـ (الماضي /الأسطوري)، وفي (ترتر) يذهب الى الزمن الصعب، حيث الدسائس تسود، والمؤامرت تحاك، والامبراطويات تتساقط مثل ورق الخريف، بينما الشعوب الضعيفة تزحف على بطونها من أجل لقمة طعام لوثها الذل، فلا وجود إلا للأقوياء، وفي (يوليانا) يتعالق (الماضي القريب) مع (الحاضر) في محاولة لتقريب صورة حقيقية لشخصية (يوليانا: الطيف) الذي تشع أنفاسه المباركة على جيلين من مسيحيي (كرمليس) وما حولها، و (الزمن) في (مسيو داك) هو نسج شفاف لوقائع وقعت ووقائع لم تقع لأنها من بنات أفكار نزار عبد الستار، استطاع بـ (قوة إبداعه) أن يقنعنا أنها وقعت. أما (المكان)، فثمة أمكنة كثيرة تتشابك في ذاكرة نزار وضميره، ولعل مكانا أثيريا مثل (اقليعات) لايخرج أبدا من تلافيف روحه وأعماق وجدانه، وهو هنا يؤكد إخلاصه لجذوره، وانتمائه الى (المكان الأصل) انتماء روحيا مصيريا، فأينما ذهبت رواياته (فخراجها عائد الى الوطن)، مولع مشدود الى (الموصل) بوصفها فضاء مكانيا خاصا (وكأن الأمر يتعالق بينه وبين شيء غامض جميل في روحه)، ففي رواياته (السمارتو) و (يوليانا) و (ترتر) يتكلم عن الدنيا كلها (وعينه على الموصل: العراق: الوطن الذي لايغيب لحظة عن ضميره).
أما (الشخصيات) في روايات نزار عبد الستار، فهي اختيارات غير تقليدية، يأتي بها نزار أحيانا من حيث لايعلم أحد، ويزجها في رواياته بذكاء ومهنية عالية، فتتبلور عن تجارب إنسانية كبرى، كما في (ترتر) مثلا تكون (آينور) مركز أحداث واستقطاب قرارات خطيرة، وتختلف الشخصيات باختلاف أدوارها التي رسمها المؤلف.
أما (الرؤية) فتتمثل بقدرة نزار على التحكم بمعطيات السرد بوصفه الحاكي العليم، والسارد المهيمن على مقدرات النص، هيمنة متزنة ذات عمق ودلالات موحية مؤثرة فيها قوة إبداع اشتهر بها نزار.