بلازما السعادة

الخميس 16 تموز 2020 216

بلازما السعادة
عبدالزهرة محمد الهنداوي
 

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي، على المستويين الداخلي والخارجي بمشاهد فيديو، ظهر فيها احد الملاكات الطبية في محافظة البصرة، وهو يتعامل مع المصابين بفيروس كورونا، بأسلوب مختلف وغير مسبوق، مستخدما طريقة العلاج النفسي لأولئك المصابين، وهذه الأسلوب تمثل بتقديم وصلات غنائية، لأغاني عراقية ذات بعد إنساني عميق، مع تغيير بعض مفرداتها لتكون منسجمة مع الحالة،
وبصوت يفيض عذوبة ومحبة وحنانا، مستثمرا خامة صوته النقية والجميلة فكان من نتاج هذا الفعل، التفاعل الروحي والإنساني، من قبل الراقدين، والمغردين، والمتابعين، فقد تابعنا أسماءً معروفة في الأوساط الأدبية والفنية مثل الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، التي غردت على تويتر، بكلمات تدل على التأثر الكبير بالمشهد والتماهي مع هذا الفعل إلى  أقصى حدود الوجدان الإنساني الصادق والنبيل.
أنا شخصيا، عندما شاهدت الملاك الأبيض البصري محمد كريم، وهو يغني، بمشاعر صادقة، لم أتمكن من الاحتفاظ بدموعي، فتساقطت بعد أن ضاقت بها محاجري، ذلك أن المبادرة المتفردة التي جاء بها هذا الملاك النقي، لاسيما في ذلك المشهد الذي ظهر فيه وهو يغني لتلك السيدة الحنون، (يا أمي يا أم الوفه)، وما فعلته تلك الكلمات من تأثير جائح في نفس المريضة، والرائع في الموقف أن محمدا لم يكتفِ بالغناء، إنما اقترب منها ليطبع قبلة تفيض حنانا فوق رأسها، وهنا أكاد أجزم، أنهم لو أجروا قراءة لمستوى مناعة هذه المرأة ودرجة سعادتها، في اللحظة التي كانت تستمع لمحمد وتستقبل قبلته، لوجدوا ان النسبة ارتفعت إلى مستويات عليا..
فبصراحة، إن عملية العزل ومقاطعة المصاب بفيروس كورونا، من قبل أقرب الناس (وهنا الحديث ليس عاما)، تتسبب بإحداث ضغط نفسي هائل على المريض، إذ ينتابه إحساس مر، أنه يواجه مأساته وحيدا، ومثل هذا الشعور من شأنه أنه يؤدي إلى انخفاض مستوى المناعة لديه، ومن ثم قد يعرضه إلى الانهيار والهزيمة أمام الفيروس..
ولهذا أقول، إن مبادرة محمد البصري، أسهمت في كسر الإحساس بالوحدة لدى المرضى، ليس فقط الذين كانوا قريبين منه، إنما حتى المرضى الآخرين، الذين تابعوا تلك المشاهد، كما أن فعله هذا أعطى رسالة مهمة، مفادها أن المصابين ليسوا خطرين إلى درجة الرعب، بل بالإمكان الاختلاط بهم والتعامل معهم، شريطة الالتزام بالإجراءات الوقائية، وهم بأمس الحاجة إلى الرعاية النفسية، قبل الطبية..
ولذلك أقول إن محمد البصري، فتح الباب على مصراعيه، أمام الجميع، وقال بلسان الحب والحنان، إن هؤلاء المرضى هم أهلنا، وأحبتنا، فتعالوا نرعاهم، لكي ننقذهم من براثن كورونا.. وهي دعوة مفتوحة، لجميع الفنانين بمختلف مستوياتهم وكل من يجد في نفسه القدرة والرغبة والشجاعة، لأن يبادروا، بتنفيذ فعاليات فنية من خلال زيارة المستشفيات، واللقاء بالمصابين، على غرار ما قام به ابن البصرة، وربما بإمكان وزارة الصحة، تأمين المستلزمات الأساسية والوقائية للفنانين الراغبين بالمشاركة في هذا المبادرة، فيما تتولى شبكة الاعلام العراقي، والمؤسسات الإعلامية الأخرى التي لديها الرغبة في المشاركة، بتغطية تلك الفعاليات، وبثها إلى الرأي العام، ليعم تأثيرها، وينتشر..
وعند ذاك سنشاهد النتائج المتمثلة بارتفاع نسب التعافي، للكثير من المصابين..
ذلك لأن منح الانسان، بلازما السعادة، مهم جدا، ويسهم في تسارع حالة الشفاء، وهو لا يقل أهمية عن بلازما الدم الذي يُعطى للمصاب، كي يعجل من شفائه..
شكرا محمد كريم أيها الملاك البصري، لأنك وضعت الحجر الأساس لأول مصنع عراقي متخصص بصناعة بلازما السعادة، وقطعا ستكون لهذا المصنع فروع في جميع أنحاء الوطن، بل وعلى مستوى العالم أيضا، وشكرا لمحافظ البصرة أسعد العيداني، الذي بادر بتخصيص قطعة أرض سكنية لمحمد كريم، فمثل هذه المبادرات ستساعد في اتساع رقعة الفعل الإنساني الناصع.