السفناج.. جوانب من توثيق مهنة شعبيَّة

الأحد 19 تموز 2020 201

السفناج.. جوانب من توثيق مهنة شعبيَّة
شكر حاجم الصالحي
أثناء قراءتي مقالة الباحث المغربي ناسمي محمد المنشورة في فصلية “الموروث” الصادرة عن معهد الشارقة للتراث، بعددها / 11 لسنة 2018، جالت في خاطري ذكريات الطفولة التعيسة التي عشتها في بيت طيني مُتداع في خمسينيات القرن الغابر، وتراءت لعيني الكليتين صورة العلوية أمي -رحمها الله- ونحن صغارها نتحلق حول موقد النار، بانتظار (فطيرة) تعدها لملء بطوننا الجائعة، ووجدت ان (فطيرتنا) تلك هي نفسها التي تحدث عنها ناسمي محمد، تتماثل معها في طريقة الاعداد والمكونات وادوات صناعتها، إلا انها تختلف عن (الفطيرة) العراقية من حيث ان للفطيرة المغربية روادها ومطاعمها فهي مهنة يعتاش عليها صانعها، في حين ان (فطيرتنا) وجبة تعدّها الأمهات للأبناء، ولم تصبح مهنة للعيش في ارجاء عراقنا. وسأعقد مقارنة بين فطيرتي المشرق والمغرب لتوكيد وحدة الموروث الشعبي او لنقل تماثله وهذا ما يبهج النفوس ويزيد من تمسكها بموروثاتها المشتركة.
يقول الباحث ناسمي محمد في مقدمة مقالته المُشار إليها:
تروم هذه الدراسة الكشف عن احدى المهن الشعبية التي لها جذور تاريخية تمتد الى الحضارة العربية الاسلامية بالأندلس، هي مهنة السفناج -صانع الفطائر- التي ما زالت تقاوم الزمن، وتوجد في عدد من المدن العتيقة والاحياء الشعبية، اضافة الى الاسواق الشعبية المغربية، توفر للساكنة فطائر مقلية، فيستمتعون بأكلها مع كؤوس الشاي الاخضر المُنعنع..
الى توفر الادوات البسيطة التالية:  
مقلاة، موقد نار، الحطب، ميزان لوزن الاسفنج للزبائن، جفنة معدنية يكوّم فيها العجين والمخطاف وهو قضيب معدني / حديدي مقوس من مقدمته، وفي بيوتنا العراقية هي ذات الادوات باستثناء الميزان، ففطيرتنا ليست للبيع على عكس فطيرة المغرب العربي، كما ان فطيرتنا تصنع على شكل أقراص متباينة الحجوم حسب الحاجة، وتتفنن امهاتنا برش هذه الفطائر بذرات من السكر لتحلية مذاقها وغالباً ما تصنعها الامهات صباحاً لتقديمها وجبة شهية للفطور، أما شكلها فهي مثل ارغفة الخبز على عكس الفطائر المغربية التي يتوسطها فراغ دائري لرفعها من خلاله أو عرضها في واجهة محل السفناج.
تناولت المقالة: طريقة العمل، محل السفناج، العادات والمعتقدات المرتبطة بالسفناج، حضور السفناج في الادب، السفناج في الشعر، السفناج في المثل الشعبي، السفناج في النكتة الشعبية ثم: الاخطار المهددة للمهنة. وفي معرض حديث الباحث عن مهنة السفناج يقول: وكانت مهنة السفناج ولقرون طويلة من المهن الأساسية في الاحياء الشعبية والأسواق الاسبوعية، باعتباره يحترف (إعداد السفنج) وهو من الفطائر المعروفة التي تتخذ من الدقيق والزيت في الصباح أو في العصر، ولهذا فحانوت السفناج كان الى جانب الفرن والحمام التقليدي...، كما كان السفناج يعدّ من أبرز شخصيات الحيّ لارتباطه بحياة سكانه، وقد تعددت الاسماء المرادفة للسفناج.
يؤكد الباحث الجاد ناسمي محمد (على الرغم من ان المهن الشعبية تصنف ضمن الثقافة المادية في نظم التصنيف الخاصة بالتراث الشعبي، إلا انه يظهر من خلال الاشتغال على مهنة السفناج انها اكثر من ذلك، فهي شبكة مركبة ومعقدة من العناصر التراثية المتعددة... اذ لا يمكن تصور مهنة السفناج دون ارتباطها ببقية عناصر التراث الشعبي الاخرى، ولهذا فأي محاولة من شأنها حماية وصون تراثنا الشعبي العربي يجب ان تؤكد على حامل التراث اكثر من العنصر التراثي).