رحيم يوسف: في بيتنا عراب السينما العراقيَّة

الأحد 19 تموز 2020 329

 رحيم يوسف: في بيتنا عراب السينما العراقيَّة
رحيم يوسف 
 
بتكليف من اتحاد السينمائيين التسجيليين العرب، أخرج عراب السينما العراقية جعفر علي فيلمه التسجيلي المفقود “المرأة والعمل “، كان ذلك في العام 1987، بعد ان شاهد فيلمي ناصر مؤنس “حكاية جمعة الذي اختفى فجأة” المقتبس من قصة حميد المختار، و “التابو والطوطم” قصة وسيناريو خضير ميري. اذ قرر صاحب المنعطف تصوير معظم مشاهد فيلمه في مدينة الثورة، واختار ناصر مؤنس لمهمة المخرج المساعد..
 وعد النقاد “المرأة والعمل” الفيلم الأطول في تاريخ السينما التسجيلية العراقية الحديثة، اذ تمتد احداثه على مدى ساعة ونصف، يسرد فيها قصص ثلاثين امرأة عاملة في مختلف مجالات الحياة، ابان فترة هي الاصعب في تاريخ العراق، الا وهي ايام الحرب الطاحنة مع إيران
فنحن نتابع حكاية ام نجم التي تدير مزرعة للنساء في الشعلة، وهي ترتدي البدلة الزيتونية وتتمنطق بمسدس طارق عيار9ملم (تلك المزرعة الكبيرة التي كانت تعمل على انتاج الفواكه والخضر وتربية الابقار والدواجن، وكل العاملات فيها من النساء)، ثم ننتقل الى منظفات الشوارع، والبائعات في الأسواق، او اللواتي يمارسن مهناً في المنازل، حيث دارت الكاميرا لتصور قصصاً ووقائع واحداثاً مرت في حياتهن، فمعظمهن ارامل ومطلقات وحتى المتزوجات، يكافحن من اجل اعالة اسرهن، فمنهن من تعمل في المنزل على سبيل الهواية مثلاً، ومنهن امي (رحمها الله) التي كانت تغزل الصوف  
 في المنزل، اذ جلست على بساط صوفي مزركش من غزلها، قرب حائط “هول” البيت متربعة، وهي تمسك بيدها مغزلا تفتل بيد، وتسحب الصوف باليد الأخرى، متابعة تكون الخيط بهدوء شديد، من دون أن تلقي بالا للكاميرا المسلطة عليها، وهي تغزل بينما جلس جعفر علي وكادره بالقرب منها.. 
كانت شخصية أمي، تمثل المرأة التي تمارس عملاً في البيت، فهي كانت تغزل الصوف وتبرمه وتصبغه بيديها، ثم ترسله الى الحائك، وهذا العمل لم تتخذه امي، مهنة تدر عليها أرباحا، إلا أن جعفر علي صورها على انها تعمل ضمن المشاريع الصغيرة في البيوت، والطريف ان امي استمرت في غزلها للصوف بهدوء ممل، ما جعل المخرج يجترح امرا لإضفاء حركة وحيوية على المشهد، فقال لها: “حجية كليلهم خلي يجيبولج ماي”، فعدلت جلستها ونادت على    ابنتها: “ يمه جيبيلي اميه”، فقدمت لها الماء لكنها لم تشربه، فقال لها “ ما تشربين الماي” فردت عليه : “  لا يمه اني ما عطشانة”، فضحك الجميع وقرر المخرج ان يبقي المشهد كما هو، لإضفاء العفوية على المشهد 
وعودة الى مشاهد أم نجم، تحدثت هذه المرأة “ الحزبية”، عن منجزات الحزب والثورة والقائد، ودور النساء العاملات في اغتنام فرصة العمل، الممنوحة لهن في المزرعة لإسناد الرجال، الذين يدافعون عن الوطن في جبهات القتال، وكانت تلك السيدة تدير المزرعة بالكثير من الشدة والحزم، لان المزرعة أساسا تعود للتنظيمات النسائية لحزب السلطة البائدة، وهي تتحدث أمام الكاميرا بتكبر وخيلاء، والطريف ان تلك المزرعة، قد تحولت الان إلى حي سكني يعرف باسم “ام نجم”  
 ومن المشاهد التي ظلت عالقة في ذهني، تلك التي صورت نساء بمكانس طويلة منهمكات في تنظيف الشوارع، وقد اختار المخرج اكبرهن سناً لتكون احدى شخصيات الفيلم، وما زلت اذكر حوار جعفر علي معها: “ حجية ليش تشتغلين بهاي المهنة”، فأجابت بثقة وهي تداري خوفها من الكاميرا وتلوح بمكنستها الطويلة: “ حتى أنظف وطنه”
 ومن قصص الفيلم الساحرة ذلك المقهى الذي تديره النساء في الكرادة  بعد جهود مضنية، تم مونتاج الفيلم، وإعداده للمشاركة في مهرجان موسكو السينمائي، كما هو متفق مع اتحاد التسجيليين العرب آنذاك، لكن برزت مشكلة كبيرة تمثلت في الوفد المسافر للمهرجان، اذ لم يسمح للمخرج بالسفر مع الفيلم لأسباب يعرفها الجميع، وكذلك مساعد المخرج الذي كان في سنته الدراسية الأخيرة في أكاديمية الفنون الجميلة، فذهب مع الفيلم أحد الرفاق ليضيع الفيلم منذ ذلك الوقت، وتضيع معه جهود كبيرة بذلت لإكماله.