التوافق السياسي

الثلاثاء 28 تموز 2020 662

التوافق السياسي
شمخي جبر
 
 يعدُّ المجتمع العراقي واحداً من مجتمعات التنوع وهذا التنوع والتعدد الذي لا بدَّ من الاعتراف به وتوفير الفضاء لمفرداته بالمشاركة بجميع أنواعها فهو واقع موضوعي لا يمكن القفز عليه او تجاهله.
بادعاء إرضاء المجموعات الاجتماعية وبحجة تمثيلها يجري اختصار الأمر على عدد محدود من السياسيين في صناعة القرار السياسي وهو ما يعد تغييبا لقيم المواطنة.
فجرت العملية السياسية مشدودة الى المصالح الفئوية وتجاذباتها وغياب قيم المواطنة والرؤية الوطنية عن مشهد الحراك السياسي او انزوائها امام المد الاثني المكوناتي، الذي مارس في الكثير من الاحيان الاقصاء والتهميش لقيم المواطنة وللخطاب الوطني الذي غطى عليه غبار حوافر خيول القبائل والطوائف، التي احتلت الفضاء الاجتماعي بخطاب لايعرف إلا الواحدية في الفكر والسلوك، فكانت الاحزاب الفئوية هي الاكبر والاوسع تأثيرا وصاحبة القدح المعلى في نتائج الانتخابات التي جرت.
واستولى زعماء محدودون على الحراك السياسي ومخرجاته، فكانت اليد الطولى لهم مهمشين نتائج الانتخابات وما افرزته، فلم يكن هناك مجلس نواب يقرر بل زعماء الكتل الكبيرة هم الذين يمسكون بكل شيء، ولان الاحزاب والتكتلات الكبيرة بنيت على اسس ايديولوجية فئوية ابعد من ان تطرح برنامجاً وطنياً، فبقيت محاصرة بفئويتها، ما ادى في الكثير من الاحيان الى تغييب فاعلية البرلمان حين تفرد زعماء الكتل الكبيرة بالقرارات الكبرى، جعلت منهم بديلا عن البرلمان او اختصاره في شخوصهم، ما غيب فاعلية ودور بقية الأعضاء، الانفراد بالقرارات السياسية من قبل نخبة بعدد الاصابع هم (اهل الحل والعقد) وممارسات الاحزاب الممسكة بالسلطة وهيمنتها على مؤسسات الدولة والحيلولة بينه وبينها، اذ اصبحت اقطاعية لهذا الحزب او تلك الطائفة. واثرت عملية التوافق في العملية السياسية التي لم تخضع للتصويت داخل البرلمان، بل خضعت لآلية الصفقات بين الزعماء، ما افضى الى اضعاف البرلمان في الاداء الرقابي على الاداء الحكومي الامني والاقتصادي، لان آلية الترضيات والصفقات والتوافقات تدعو بشكل كبير الى انتشار مظاهر الفساد الاداري والمالي.
النظام المحاصصاتي يزيد الهوة بين الجماعات الاجتماعية فهو بدلا من ربط هذه الفئات بالوطن والدولة والمصلحة الوطنية ومصلحتها الحقيقية  فهو يربطها بمصالح فئوية ضيقة تتضرر هي ويتضرر الوطن .
فهذه المجموعات والحالة هذه يقوى عرى الروابط بينها وداخل مجموعة كل منها ويزيد تخندقها وتماسكها على حساب الكل الوطني ووحدة النسيج الاجتماعي داخل الدولة والمجتمع.
فكل فئة تعتمد على متعهديها والمتصدوين للأمر بجلب حصتها داخل النظام المحاصصاتي. 
وهو ما تم اعتماده منذ تأسيس مجلس الحكم الذي تشكل على اساس التمثيل الفئوي وليس على اساس وطني.
حتى سمي هذا النظام بنظام الترضيات او التراضي بين الجماعات، فأصبحت مخرجات هذا السياق السياسي هي المقبولة والمرضي عنها لدى الجميع حتى وان خالفت القانون والدستور، فالترضية هي الهدف وهي المركز الذي يلتقي عنده الجميع.
المفترض ان يمنح المواطن ولاءه للدولة  ولكن عندما لا تكون هناك دولة يكون الولاء الفرعي هو المعترف به والشرعي.
خطورة المحاصصة يشير لها ليبهارت بقوله: عندما يكون احد المجتمعات مصابا بانقسامات عميقة تقوى بالتبادل وعندما يعيش كل جزء من السكان في عالمه الخاص منفصلا عن الاخرين يكون خطر التمزق حاضرا وواضحا ومتوقعا.