أدب الرحيل!

الثلاثاء 28 تموز 2020 198

أدب الرحيل!
 جواد علي كسّار
 
سببان دفعاني لهذا العمود خاص وعام. الخاص هو رحيل الصديق الفاضل جابر الزيادي، المربي وعضو البرلمان الأسبق بوباء كورونا، بعد أن أمضى عشرين يوماً في مستشفيات الديوانية، تتقلّب صحته تحسّناً وتدهوراً؛ فإذا تحسّنت وعاد إليه وعيه رجع إلى طبعه، في الحديث إلى جميع من حوله، ببشاشة وانطلاق ودماثة أخلاق تشرّبت بها شخصيته، وهذه خصال يعرفها عنه الجميع، حتى من التقى به مرّة واحدة، أما إذا تدهورت صحته، وغلب عليه الوجع، استسلم إلى غيبوبة، كانت هي الزاد الذي يريح جسده من آلام المرض، وبين هذا وذاك أمضى آخر ثلاثة أسابيع من حياته رحمه الله.
أما السبب العام فهو تحوّل الموت، من مصير ومآل وحتمية فردية، إلى ثقافة عالمية، فليس الموت جديداً أو غريباً في حياة الناس، بيدَ أنه لم يتحوّل إلى ثقافة نعايشها يومياً، كما هو شأنه الآن.
فهو معنا يقتحم حياتنا اليومية منذ أول نشرات الصباح حتى آخرها ليلاً، نصحو وننام على أخباره، في الفضائيات وبقية وسائل الاتصال، ومن خلال الأخبار الشخصية والعامة، يطوف على البلدان، ويتحكّم بمصائر كلّ شيء، ويرمي بظلاله الكثيفة على الشعوب والدول كافة من دون استثناء. كان أدب الرحيل أو ثقافة الموت على نحوٍ أدقّ، حبيس النخب والكتابات المعرفية من فلاسفة ومتكلمين ومفكرين ونسّاك ومتصوّفة وأدباء وشعراء وهكذا، حار الجميع في كنه الموت وحقيقته، نُسجت عنه فلسفات ومذاهب، وكُتب الكثير حوله منذ أول البشرية حتى يومنا الحاضر، لكن في إطار النخب المفكرة، بعكس حاله الآن وقد تحوّل إلى ثقافة يومية في حياة الناس جميعاً، بظل وباء كورونا.
رجعتُ إلى بعض المذاهب والأقوال في ثقافتنا العربية، ففوجئتُ بكثافة الآراء وغزارة ما أثمرته العقول حيال الموت، ولكي أتحاشى الإدّعاء والسطو على ثمار عقول الآخرين وجهودهم، فقد قمتُ بالمراجعة من خلال الموسوعة الجليلة: "كتاب الحكمة العربي: دليل التراث العربي إلى العالمية" للدكتور محمد الشيخ؛ تحديداً الكتاب الأخير الذي خصّصه المؤلف، لما أنشأته الحكمة العربية من مقالات وأفكار حول الموت، طاف خلالها مع الفلاسفة والمتكلمين، كما أجاد في سبر أقوال العرفاء والمتصوّفة والوعّاظ. من روائع ما قرأتُ في هذه الموسوعة عن أبي العباس المرسي (الذي زرتُ قبره المشيد الفخم في الإسكندرية المصرية قبل سنوات) تصويره الموت وهو يضع الإنسان ويحاصره بين عدمين: "إذا ما أنت شاهدت الناس كما هُم، ألفيتهم وجوداً بين طرفي عدم: ما كانوا من قبل، ولن يكونوا من بعد"". ونصّ قوله أيضاً: "كان الإنسان بعد أن لم يكن، وسيفنى بعد أن كان، ومن كان كلا طرفيه عدم، فهو عدم".
من أروع تصوّرات الحكمة العربية، الصياغات التي قدّمتها للعلاقة بين عمر الإنسان وموته، والجدل بينهما: "إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك". 
أيضاً: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فكلّ يوم يمضي، فقد مضى بعضك". كذلك: "كلّ خطوة تخطو، فإلى القبر"، والأدقّ: "أنفاس المرء خطاه إلى أجله»، وفي صيغة أخرى: «أنفاس الحي خطاه إلى أجله". في فصول هذه الحكمة، قالت العرب: ""الموت ليس برديء، وإنما الرديء الخوف منه"، كما نُسب لهم أيضاً: "ما رأيتُ يقيناً لا شك فيه، أشبه بشكّ لا يقين فيه، إلا الموت"!