عنف أسري متفاقم خلال فترات حظر التجوال

الأربعاء 29 تموز 2020 313

عنف أسري متفاقم خلال فترات حظر التجوال
بغداد / فجر محمد
 
أظهرت إحصائية قامت بها وزارة الداخلية مؤخراً زيادة واضحة في ظاهرة العنف الاسري، خصوصاً في الاشهر الستة الماضية اي بالتزامن مع الحجر الوقائي الذي فرض بسبب جائحة كورونا، اذ بينت الوزارة ان حالات اعتداء الازواج على زوجاتهم هي الاكبر في هذه الاحصائية التي وصلت الى اكثر من 3آلاف حالة، فضلا عن تعنيف الاخوة لاخواتهم والآباء للابناء والعكس ايضاً.
غياب التفاهم
منذ الأيام الأولى للحجر الوقائي 
الذي فرض بسبب جائحة كورونا لم يتوقف صراخ العشرينية (هـ، و) بسبب الضرب الذي تتلقاه بشكل شبه يومي من زوجها الثلاثيني، وتروي جارتهم سميرة احمد حكايتهم قائلة:
"جارنا تزوج منذ اربعة اعوام ولديه طفلان صغيران، لكننا لاحظنا ومنذ الايام الاولى للزواج عدم التفاهم الواضح بينهما، 
فالزوج من الممكن أن تثور ثائرته 
على زوجته لاتفه الاسباب، ثم يقوم بضرب زوجته بقسوة على الرغم من انجابهما لطفلين".
 
نسق جديد
القاضي ناصر عمران الموسوي قال : "عدم تحديد ماهية وباء كورونا وطبيعة انتشاره وايجاد العلاجات المناسبة للقضاء عليه ، جعلت اغلب دول العالم تلجأ الى اتباع المعالجات البدائية الاولية، ومن اهمها الحجر المنزلي للحيلولة دون انتشار الوباء وصار شعار (خليك بالبيت) الاهم على جميع وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وتعطلت الحياة، علماً ان كل اسرة قد اعتادت وضع اجتماعي معين، اذ كانت تمارس حياتها بشكل طبيعي كالعمل والوظيفة والسفر وغيرها من الامور الاخرى، الامر الذي منح كل فرد في الاسرة طريقة حياة يستطيع من خلالها التفاعل مع المجتمع والاسرة ، لكن اسقاطات الانتشار الوبائي فرضت نفسها عالمياً، فصار البيت هو مصدر وساحة النشاط الاجتماعي للاسرة طوال اليوم، ما فرض تنظيماً ونسقاً حياتياً جديداً داخل منظومة الأسرة".
 
أنماط سلوكيَّة
وبين الموسوي ان "للحجر الصحي إيجابياته التي تمثلت بإعادة تأهيل العلاقات داخل الاسرة، فتواجد الافراد لفترات طويلة اعطى للجو الاسري حميمية خاصة لم تكن معتادة سابقاً ، ولكن مثلما كانت الايجابيات حاضرة الا ان المجتمع قد شهد خلال هذه الفترة جرائم كارثية تعرض لها افراد الاسرة، منها الانتحار و جرائم القتل و الضرب والتهديد واعتداءات مصحوبة بعاهات مستديمة او بدونها، ووصل الامر الى جرائم جنسية كالتحرش والاغتصاب "، واضاف "العنف نمط سلوكي يتضمن الحاق الاذى بالآخر، ويكون مصحوباً بانفعالات تؤدي الى استخدام القوة والعنف الاسري اذ ان هذه الانماط السلوكية هي مجموعة من الافعال التي يقوم بها احد افراد الاسرة، ويلحق ضرراً مادياً او معنوياً او كليهما بأحد افراد الاسرة وينتج بسبب غياب الدور الحقيقي لرب الاسرة بالتماهي مع دور الام والتي تجد نفسها في احيان كثيرة في موضع المهدئ للخلافات بين أفراد الأسرة.
 
عقوبات قانونيَّة
ويشير القاضي الموسوي الى ان الحجر المنزلي قد ولد ظروفاً جديدة اهمها الوضع النفسي المقترن بالانفعالات العنفية التي فرضتها العزلة الوبائية ، وبالنسبة للموقف القانوني من العنف الاسري، فان المشرع الجنائي لم يضع نصوصاً قانونية خاصة بالعنف الاسري وانما ترك ذلك الى المبادئ العامة في تجريم الفعل فقد منح القانون الحماية الجنائية لحياة الانسان وسلامة بدنه، وضمنه القاصرون في الباب الاول بفصول ثلاثة والتي تضمنت في الفصل الاول تجريم القتل العمد ونص في المواد القانونية (405،406،407،409 ) والفصل الثاني نص على تجريم الضرب المفضي الى الموت والقتل الخطأ في المواد القانونية (410،411 ) وفي الفصل الثالث جرم الجرح والضرب والايذاء العمد في المواد القانونية (412،413، 415، 416 ) من القانون، الذي تناول الايذاء والجرح والضرب الذي احدث عاهة مستديمة بقصد عمدي او دون 
قصد.
 
جرائم ضد الطفولة
تناولت وسائل الاعلام مقاطع فيديوية وصوراً تبين حالات اعتداءات وحشية ضد الاطفال، كالاغتصاب والقتل ، كذلك قيام احدى الامهات بخنق رضيعيها ورميهما في خزان الماء، هذه الجرائم اثارت مخاوف المختصين الذين دعوا بدورهم اولياء الامور الى متابعة ابنائهم وعدم تركهم بمفردهم لساعات طويلة . ويؤكد باحثون في الشؤون الاجتماعية والنفسية على وجود مخاطر كبيرة في التعامل مع المراهقين بقسوة ، اذ ان ذلك من شأنه أن يولد عقداً نفسية ومشكلات متعددة تؤثر في علاقات افراد المجتمع مستقبلاً فقد يتحولون الى مجرمين او تطغى القسوة والعصبية على طباعهم لاحقاً، ولذلك لا بد من التعامل الحذر معهم.
 
صراعات
الباحث بالشؤون الاجتماعية والنفسية والاكاديمي ولي الخفاجي بين: ان العنف الاسري موجود في كل المجتمعات، لكنه يزداد مع وجود الازمات وهذا ما يعاني منه المجتمع العراقي اليوم، اذ يعاني انواعاً مختلفة منها الازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهذه الظروف تسبب ضغوطاً نفسية على رب الاسرة، ما يدفعه الى التنفيس عن هذا الغضب بشتى الطرق ، منها استخدام وسائل العنف مع الزوجة والاولاد وهو امر مرفوض وغير مقبول.
ومن المعروف أنَّ الشخصية العراقية قد تحملت الويلات على مر الازمنة، ولكن الحجر الذي فرض مؤخراً جعلها بتماس مباشر مع افراد الاسرة ولفترات طويلة، فضلا ًعن العوز المادي الذي عانته الكثير من الاسر، ومن الملاحظ ايضاً وجود الصراع بين الابناء والاباء، ما ولد مشكلات متعددة سببها الاساسي عدم فهم الاباء لابنائهم او العكس ، فضلاً عن غياب الضوابط الاجتماعية التي كانت سائدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بين افراد المجتمع، وهذه الامور ادت الى ظهور العنف المجتمعي بشكل واضح.
 
طباع مختلفة
على الرغم من محبة العشريني (أ ، ض) الكبيرة لاخوته الصغار الا انه دائماً مايستخدم لغة التهديد والتعنيف، ثم تصل الامور الى الضرب، تقول شقيقته الصغرى (ر، ض) البالغة من العمر اربعة عشر عاماً: يتعامل شقيقي الاكبر معنا بقسوة، حيث ان طباعه الصعبة وعصبيته المستمرة غالباً ما تسبب الشجارات والخلافات الكبيرة، و حاولنا أن نغير من طباعه ، لكن كل ما فعلناه من دون جدوى".
 
برامج توعويَّة
ويلفت القاضي الموسوي الى ان معالجة ظاهرة العنف الاسري في مرحلة الحجر المنزلي تتم عبر منظومة تقنية من خلال برامج توعوية وترفيهية قادرة على التواصل مع الاسرة والعالم الخارجي عبر منظومة وسائل الاتصالات التقنية ومواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة بالشكل الذي يساعد على تطبيق خطط ومناهج قادرة على الخروج بمناخات الاسرة من ضغط الوباء والحجر المنزلي الى فضاءات جديدة تتلاءم مع الواقع الجديد وبالمقابل فان الحاجة ملحة الى ايجاد مؤسسات اجتماعية قادرة على العناية بالمعنفين وتحظى بثقة المجتمع وتهتم بهذه الشريحة بشكل مؤقت، او دائم لحين ايجاد وضع اجتماعي او قانوني مناسب لهم ،وعليه لا بد من تشريع قانون لمكافحة العنف الاسري يتضمن الجانب الوقائي ثم العقابي في نصوص قانونية لها فاعليتها المؤسساتية على ارض الواقع على أن تأخذ بنظر الاعتبار العادات والاعراف الاجتماعية التي ستكون اول معرقل لعمل المؤسسات الاجتماعية لمكافحة العنف الأسري.