الشاهد الميت الحي في.. الطريق الى القرية

الخميس 30 تموز 2020 429

الشاهد الميت الحي في.. الطريق الى القرية
  يوسف عبود جويعد 
 
عندما تضع الحروب الثقال أوزارها، وينفض الجندي غبار المعارك، ورائحة البارود، ورماد دخان الانفجارات، عن بدلته العسكرية، ويسلم عدته وعتاده وسلاحه، ثم يخلع هذا الحرمان والخوف والقلق، ويغتسل بمياه الحرية والطمأنينة والسلام بعيداً عن السواتر حامية الوطيس
عندها يراجع الجندي هذه المسيرة المليئة بالقتل والدمار والنار المشتعلة، ليقف أمام مواطن الندم والحسرة والأسى لبعض الوقائع القتالية التي خاضها مع من كان معه من الجنود، مرغماً منصاعاً من دون إرادته وهو يشعر بالظلم والجور وبشاعة الهجوم الذي شن على أبناء جلدته في إحدى القرى في شمال البلد، ويراهم وهم يفرون مذعورين خائفين يحملون أطفالهم ويقودون كبار السن معهم، ليختبئوا خائفين من الموت الذي يطاردهم وتصير قريتهم ثكنة عسكرية للفوج العسكري المهاجم، ويصير الجامع مخزناً لذخيرتهم وعتادهم وسلاحهم، ويبرز كل ذلك أكثر قسوة عندما يستحضر صراخ النسوة وبكاء الأطفال، فيشعر بالندم الكبير لأنه كان مضطراً ومشاركاً بهذا الهجوم المدمر. 
من هنا برزت بنية النص القصصي (الطريق الى القرية) للقاص محمد علوان جبر، الذي يستحضرها كواقعة حدثت وتصلح أن تكون مادة قصصية، ثم يحيلها الى معالجات فنية، فترتدي رداء الواقعية العجائبية، والغرابية، والفنتازيا، ثم إلى خيال خصب بلغة سردية مركبة، فيها معالم الندم، فيها الحزن، فيها اللوعة والانبهار والدهشة، فيكون الشكل والمضمون لهذا النص، هو عالم من البشر الأحياء كانوا قبل خمسين سنة، وشاهد عيان يخرج من الأجداث، ويزيح تراب القبر عنه، وهو ملطخ بدماء موته ودخان المعارك، لينزل من سفح الجبل الى خيمة هي محطة لاحتفال أهل القرية كما شاء له أن يصفها وهو يستحضرها من أتون خياله وينفخ فيها الروح لتستيقظ ثانية من أجل إعادة تفاصيل الحكاية ووقائعها المؤلمة، ليجلسوا على شكل دائرة أمام الخيمة، وتتوسطهم الغجرية التي سوف يكون لها شأن ودور كبير في هذا النص، كون مهمتها ستكون رسالة الاعتراف التي بعثها الجندي لها: 
(بدأت تقرأ بطريقة تشبه الغناء، ببطء ومن ثم بصوت بدأ يتصاعد، طغت على طريقة قراءتها نكهة الغجر وشجنهم وهم يغنون الموالات الحزينة، ربما رافقتها الفرقة الموسيقية بإيقاعات بسيطة واطئة من دون أن تؤثر في إيصال صوتها بوضوح: أنا الجندي المكلف الاحتياط (م ع ج) أعلن نيابة عن الفوج الذي كنت جندياً فيه والذي لم يعد له وجود، الفوج الذي اختفى بظروف غامضة لا يعرفها أغلبكم - كأن صاعقة نزلت عليه ومحته من وجه الأرض). 
وهكذا ننتقل الى عالم الأموات الذي شاء القاص محمد علوان جبر، أن ينفخ فيهم الروح ويعيدهم، من أجل أن يأخذ كل واحد دوره في دورة أحداث هذا النص، ولكي يكشف الظلم الكبير الذي لحق بأهل القرية الأبرياء والتعسف والقمع وتشريدهم من ديارهم مذعورين. ويصف لنا القاص تفاصيل هذا الهجوم المروّع وما حدث فيه من حرق وهدم وقتل وتدمير، بلغة تنسجم والسياق الفني الذي اتخذه القاص لتدوين هذا النص، حيث هذا التجانس بين العجائبية والغرائبية والفنتازيا وعالم الموتى الأحياء، وعندما تنتهي الغجرية من قراءة الورقة تخبرهم بانتهائها إلّا أن الضجيج يتعالى طالبين إكمال القصة: (كيف أحدثكم عن قصة ليست قصتي؟ إنها قصته هو.. 
وأشارت بيدها ناحية الجندي الذي اقترب كثيراً من المنصة، كان يبدو عليه أنه مغطى بطبقة سميكة من الدم.. وسط كتلة الدم كانت عيناه تنتقلان بين الجموع، صرخ أقرب الواقفين منه طالباً إكمال القصة التي بدأتها الغجرية).
وهكذا وبعد أن توغلنا بهذا العالم الموغل بالإبهار والغارق بماضٍ عاد يتحرك بين ثنايا هذا النص بكل وضوح، وكأننا توغلنا طويلاً لنصل الى القاع، ولم يكتفِ القاص بهذه التوليفة المركبة من الأحداث، بل إنه يقودنا لعالم أكثر خطورة وأكثر إيغالاً، وهذا ما سوف نكتشفه عندما يعتلي الجندي المكلف (م ع ج) المنصة ليستعرض تفاصيل الهجوم بقلب يقطر ندماً، حتى يفر أهل القرى ولم يبقَ إلّا (المنغولي) الذي يعطف عليه ويحضر له الطعام والشراب ويجلب له الفراش والأغطية من البيوت الخالية من أهلها، ثم يصعد المنغولي معه في المركبة ليقله إلى أقرب منطقة من أهالي القرية، إلا أنهم يتفاجؤون بسيل من الانفجارات والرصاص والشظايا المتطايرة عندها يموت المنغولي، وتنقلب السيارة ليموت الجندي أيضاً، لننتقل إلى حالة سردية مبهرة لا يجيد تفاصيلها وينسج خيالها إلّا القاص محمد علوان جبر:
)سأحدثكم لعلكم تصدقونني، عن أغرب ما حدث في الأمر وما الذي قادني إلى هذا المكان.. حينما هوت السيارة بي في أعماق الوادي- الذي كان بعيداً عن قريتكم كثيراً- أحسست أني أطير في الفضاء، سقطت على رأسي الذي تهشم، حينها غبت تماماً عن الوعي وبدأت أغوص في كابوس كبير ولا أعلم الفترة التي أمضيتها وأنا برأس مهشم بين الصخرة والثقل الهائل للسيارة التي تحولت الى حطام هي الأخرى، أيقنت بما لا يقبل الشك أني ميت، يومها فكرت كثيراً بالموت الذي بدأ غير مخيف كما كانت تصوره لي مخيلتي وعقلي، الموت يبدو كأنه مرور شفاف وسط دخان ملون هو ذات الدخان الذي غشي المنظر أمامي، يومها اقترب مني رجل بقامة متوسطة الطول يسير بثبات وسط متعرجات
الوادي).
لنكتشف أن هذا الرجل الذي أنقذ الجندي من الموت الى الموت هو المنغولي الذي توفي قبله ليواصلا مسيرتهما نحو تفاصيل الحكايا وهم أموات. 
وهكذا وبعد تفاصيل عجائبية ينهي الجندي المكلف (م ع ج) حكايته عن ظلم أحاق بأبناء جلدته، وعن حكاية غريبة أراد تقديمها للملأ.
• قصة الطريق الى القرية من ضمن المجموعة القصصية (الرحلة العجيبة للسيد "م") من إصدارات دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع لعام 2019.