اغتيال بيروت

الجمعة 07 آب 2020 208

اغتيال بيروت

محمد شريف أبو ميسم
 
ابتليت بيروت الجميلة منذ سنوات بحالة استقطاب سياسي حاد، تداخلت فيها إرادات دولية وإقليمية، أفضت في الأشهر الأخيرة الى احتجاجات شعبية أجبرت حكومة سعد الحريري على الاستقالة في تشرين أول الماضي لتحل محلها في شباط حكومة حسان دياب. وجاء انفجار الثلاثاء المنصرم، ليزيد من أوجاع بلد ظل يعاني منذ أشهر من تداعيات أزمة اقتصادية خانقة حاولت فيها حكومة دياب البحث عن مخارج تصل بالبلاد الى شاطئ الأمان، في وقت كانت تحاول فيه الإرادات الدولية والإقليمية، أن تزيد من التوترات بين القوى السياسية في الساحة اللبنانية، في ظل أزمة تهدد بتجويع شعب، هي أشبه بمعركة وجود وصمود، يُراد لها أن تكون من دون أفق. وعلى هذا فإن كارثة الثلاثاء التي شكلت صدمة للعالم أجمع، نظرا لشدة آثارها التي دمرت نصف المدينة، وضخامتها التي امتدت باهتزازاتها إلى جزيرة قبرص بحسب وسائل الإعلام، لم تعطِ فرصة للرأي العام - في ظل التقانات التسليحية الدقيقة التي تحتكم عليها الإرادات التي تحاصر هذا البلد - إلا أن يضع هذه الكارثة في سياق سلسلة الحلقات الضاغطة على إرادة هذا البلد، بهدف إزاحة الآخر عن مساحته، واستقطابه لصالح من يحتكم على إدارة الحرب عن بعد، فكان بيان السلطات بشأن انتظار التحقيقات المتعلقة بمخزون هائل من نيترات الأمونيوم شديدة الانفجار، الذي يقدر بنحو 2750 طنا في أحد مخازن الميناء منذ سنوات محض عزاء من هول الصدمة في نظر الرأي العام.
إلا أن المنطق يدعونا الى التريث بانتظار التحقيقات بشأن صحة الروايات التي تحدثت عن تخزين هذا الكم الهائل من نيترات الأمونيوم، ومن يقف وراءها، وما هو سر بقائها لأربع سنوات؟. وبحسب هذا المنطق، الذي يراد له أن يكون متوازنا حيال كارثة أودت بحياة نحو 200 إنسان وجرح خمسة آلاف آخرين وتدمير نصف منازل ومباني المدينة، لا ينبغي أن ينفصل في قراءاته عن معطيات ودوافع الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضته الولايات المتحدة وحلفاؤها على لبنان، والذي أفضى الى انهيار القطاع المصرفي وتخطي سعر صرف الدولار حاجز 7 آلاف ليرة في السوق السوداء، وانزياح العديد من فئات المجتمع اللبناني نحو خط الفقر، بالتزامن مع الضغوط السياسية والاقتصادية الأخرى، التي كان من أبرزها، اشتراط مفاوضات الحكومة، التي عجزت عن سداد ديونها مع صندوق النقد الدولي بالموافقة على الجلوس مع الجانب الاسرائيلي، وتعويق خطتها المتعلقة بالانقاذ الاقتصادي. فضلا عن أهمية البحث عن صلة السطو الاسرائيلي بمنح تراخيص للتنقيب عن الغاز في بلوكات محاذية للحدود البحرية للهيمنة على مساحة كبيرة من المياه اللبنانية، في إطار الضغط على بيروت من أجل جرّها الى مفاوضات الترسيم البحري، والإفادة من هذا الاتفاق بدعوى أنه «سيعود بالخير على لبنان» في ظل الحصار المالي، وترك الحدود البرية إلى وقت لاحق، ولا ينفصل كل هذا عن مواصلة الحصار الأميركي المشروط، عبر أدوات يتقدمها اسفين يدق على جسد الحسناء بيروت لتهشيم أضلعها ما لم تستجب، أو اغتيالها إن اقتضى الأمر بأسلحة الفرقة بين أبنائها والفساد المستشري على تضاريس جسدها المستلقي على البحر.