نكـبة «المـرفـأ» تـشرّد ثلـث سـكان بـيـروت

الجمعة 07 آب 2020 275

نكـبة «المـرفـأ» تـشرّد ثلـث سـكان بـيـروت
بيروت / وكالات 
 
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصل بيروت أمس الخميس كأول رئيس أجنبي يزور البلاد عقب نكبة وكارثة مرفأ بيروت الذي شرد قرابة ثلث سكان العاصمة اللبنانية؛ طرح مبادرة لاتفاق سياسي جديد في لبنان، وقبيل وصوله إلى قصر بعبدا الرئاسي؛ جال ماكرون برفقة نظيره اللبناني في موقع الانفجار، وقال : إن «الأزمة التي يواجهها لبنان في ظل انفجار مرفأ بيروت، تتطلب استجابة عاجلة وتظهر ضرورة إجراء إصلاحات في البلاد»، متعهداً بترتيب مزيد من المساعدات الفرنسية والأوروبية والدولية إلى لبنان في الأيام المقبلة.

وبعد الجولة في المرفأ، زار ماكرون منفردا في شارعي الجميزة ومار مخايل، المتضررين من الانفجار، والتقى الأهالي متفقدا الأضرار، وأبلغ الرئيس الفرنسي حشوداً من اللبنانيين الغاضبين بأن الدعم الذي ستقدمه باريس لبلادهم لن يذهب إلى «الأيدي الفاسدة»، وأضاف «سأتحدث إلى جميع القوى السياسية لأطلب منها اتفاقا جديداً، أنا هنا اليوم لاقترح عليهم اتفاقا سياسيا 
جديدا».
وتعهد الرئيس الذي صافح عدداً من المواطنين بإرسال مزيد من المساعدات إلى لبنان،  وقال ماكرون مخاطبا المواطنين الغاضبين: «أفهم غضبكم، وأنا هنا ليس لإعطاء شيك على بياض للنظام»، وشدد الرئيس الفرنسي على ضرورة إطلاق إصلاحات سياسية في لبنان، مضيفا: «يجب أن يصبح هذا الانفجار بداية لعهد جديد».
وأصبح ماكرون أول زعيم أجنبي يزور بيروت بعد الانفجار المدمر الذي هز مرفأ المدينة الثلاثاء الماضي ويعد الأقوى في تاريخ العاصمة اللبنانية، وأسفر هذا الانفجار، حسب آخر البيانات، عن مقتل 137 شخصا على الأقل وإصابة خمسة آلاف، بينما لا يزال العشرات في عداد المفقودين، وبات مئات الآلاف فجأة من دون مأوى ولا موارد، جراء الانفجار، بالإضافة إلى إلحاق أضرار مادية هائلة.
 
خسائر فادحة
بدوره، أفاد وزير الصحة اللبناني، حمد حسن  بأن «الاتصالات مستمرة مع الدول العربية والأوروبية لتأمين المساعدات الطبية للبنان، ويجري التنسيق لتوحيد اللوائح حسب الأولويات»، مشيرا إلى أن «ما هو مطلوب اليوم إقامة المستشفيات الميدانية في مناطق العاصمة، ومنها مستشفيات 
عسكرية».
وبشأن مقررات مجلس الوزراء بشأن وضع المسؤولين عن ملف شحنة الأمونيا في المرفأ تحت الإقامة الجبرية، أوضح وزير الصحة أن «مجلس الوزراء أصر على الإقامة الجبرية كدليل على محاسبة المسؤولين، وكإشارة إلى أن القانون سيكون له الصوت الغالب في هذا الموضوع».
ويعود سبب الحادث المأساوي إلى امتداد حريق اندلع داخل المرفأ إلى مستودع كانت شحنة كبيرة تقدر بقرابة 2750 طناً من مادة نترات الأمونيوم شديدة الاشتعال والانفجار مخزنة فيه منذ ست سنوات «من دون أيّ تدابير للوقاية»، رغم تحذيرات الخبراء للمسؤولين في المرفأ، وطلبت الحكومة اللبنانيّة فرض إقامة جبريّة على كل المعنيين بملفّ نيترات الأمونيوم، تزامنا مع فتح تحقيق في الواقعة.
 
سكان مشردون
محافظ بيروت، مروان عبود، أكد «انّه وضع كارثي لم تشهده بيروت في تاريخها»، وأضاف: «أعتقد أنّ هناك بين 250 و300 ألف شخص باتوا من دون منازل، لأن منازلهم أصبحت غير صالحة للسكن»، وأشار المحافظ إلى أنّ «نحو نصف بيروت تضرر أو تدمّر».
أما رئيس بلدية بيروت، جمال عيتاني، فأشار إلى ان التقدير الأولي للخسائر من جراء انفجار مرفأ بيروت يتجاوز 4 مليارات دولار، وكشف عن انه «جرى تأمين مساكن مؤقتة لبعض المشردين من جراء الانفجار»، موضحاً أن «ثلث سكان بيروت أصبحوا مشردين بعد أن دمر الانفجار أحياءهم»، وقال: «انفجار بيروت زلزال كبير، أدى لأضرار جسيمة في العاصمة بيروت.. سواء في الممتلكات الخاصة أو العامة».
وما يزال العشرات في عداد المفقودين بحسب الحكومة، بينما تواصل فرق الإغاثة عمليات البحث على أمل العثور على ناجين، ويعد هذا الانفجار الأضخم ليس فقط في تاريخ لبنان الذي شهد عقودا من الاضطرابات الشديدة، بل ويقدره بعض الخبراء كأكبر انفجار «غير نووي» في التاريخ، وأعلن مجلس الدفاع الأعلى في لبنان بيروت «مدينة منكوبة»، كما فرض حالة طوارئ في 
البلاد.
وأتى الانفجار وسط أزمة اقتصاديّة خانقة لم يشهد لها لبنان مثيلاً في الحقبة الحديثة، تفاقمت مع انتشار فيروس كورونا المستجد الذي أدى إلى فرض الحجر لأكثر من ثلاثة أشهر على اللبنانيين، كما وقعت الكارثة في ظل نقمة شعبيّة على كلّ الطبقة السياسيّة التي يتّهمها المواطنون بالعجز والفساد، فأججت غضباً متصاعداً تجلّى خصوصاً عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
 
كلمة نصر الله
في غضون ذلك، من المقرر أن يلقي الأمين العام لـ»حزب الله» اللبناني السيد حسن نصر الله اليوم الجمعة كلمة سيتطرق فيها إلى آخر المستجدات في البلاد وعلى رأسها الانفجار المدمر الذي هز الثلاثاء مرفأ بيروت، وأفادت قناة «المنار» المقربة من «حزب الله» بأنها ستبث كلمة نصر الله في الساعة الخامسة والنصف من عصر الجمعة بحسب التوقيت المحلي، وكان من المقرر أصلا أن يلقي نصر الله كلمة يوم أمس الأول الأربعاء، لكنه قرر تأجيلها حتى إشعار آخر «بسبب الفاجعة الوطنية والتزاما بالحداد الوطني».
من جانبها، أعلنت وزيرة المهجرين بلبنان،غادة شريم، أن الجيش سيسمي المسؤولين الذين تم وضعهم تحت الإقامة الجبرية، وهذا ليس إدانة لهم بل إجراء احترازي، لافتة إلى أن قرار الإقامة الجبرية «سيشمل كل من أدار تخزين وحراسة وتمحيص بالملف (شحنة الأمونيا) منذ العام 2014 حتى اليوم»، وعما إذا كان القرار سيشمل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ويمنعه من السفر؟، أجابت:»الجيش اللبناني سيقوم بتسمية المسؤولين».
وأكدت أنه «لم يكن هناك اعتراض من الوزراء على مسألة وضع هؤلاء تحت الإقامة الجبرية أو إعلان حالة الطوارئ في البلاد، إنما حصل بعض النقاش على الدور الذي سيلعبه الجيش في حالة الطوارئ، والحكومة ماضية في هذا الاتجاه حتى النهاية».
وأوضحت شريم، أن «انفجارا بهذا الحجم بسبب الفساد والإهمال يجب ألا يمرّ مرور الكرام»، مشددة على أن «المطلوب منا أن نتخذ موقفا ونحدد المسؤوليات، وممنوع التغطية على أحد، وإلا فلنذهب جميعا إلى بيوتنا»، وقالت: «هناك مسؤولون سيمكثون في منازلهم ولن يمارسوا مهامهم لخمسة أيام، أي إلى حين انتهاء تحقيقات لجنة التحقيق الخاصة».
 
تداعيات اقتصادية
أما وزير الاقتصاد اللبناني راؤول نعمة، فأكد ان الحكومة غير قادرة على مواجهة التداعيات الاقتصادية لكارثة مرفأ بيروت، مطالبا الدول بتقديم المساعدات اللازمة إلى بلاده.
وأضاف نعمة أن «الحكومة اللبنانية كانت قبل الكارثة تطلب مساعدة دولية من صندوق النقد الدولي ومن دول أخرى شقيقة، حيث لم تعد لديها قدرة مالية على مواجهة أزمة كورونا والأزمة المالية التي تراكمت على مدى 30 عاما»، ومع وقوع كارثة الثلاثاء التي شبهها الوزير بـ»هيروشيما مصغرة»، أصبحت إمكانيات الحكومة «أضعف 
بكثير».
وأشار نعمة إلى أن وزارته لم تعمل حتى الآن على تقييم الخسائر المادية التي خلفها الانفجار، لكنه أكد أنها بالمليارات، خاصة في المنطقة المحيطة بالمرفأ، فـ»هناك مرافق دمرت مثل صوامع القمح، وبنايات تهدمت»، وردا على سؤال بشأن احتمال إفراج البنوك عن ودائع اللبنانيين التي فرضت عليها قيود بسبب الأزمة المالية لكي يرمم البيروتيون ممتلكاتهم، قال نعمة :إن «الأمر من صلاحية مصرف لبنان».
إلى ذلك، دعا رئيس التيار الوطني الحر، صهر رئيس الجمهورية اللبنانية، جبران باسيل، إلى محاكمة المسؤولين عن «جريمة انفجار بيروت»، في أول تعليق له على الحادث، وقال باسيل في تغريدة له عبر حسابه الرسمي على «تويتر»: إن «الحزن على الضحايا والدمار كبير، لكن إرادة الحياة أقوى».
وأضاف أن «المسؤولين عن الجريمة بالقصد أو بالاهمال يجب أن يحاكموا»، قائلا: «أمام بيروت والعدالة لا يوجد كبير ولا صغير، لا رئيس ولا وزير ولا مدير».
أما رئيس الحزب الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط، فطالب بلجنة تحقيق دولية لكشف الحقيقة بشأن انفجار مرفأ بيروت، وقال في مؤتمر صحفي: «لا نؤمن بأي لجنة تحقيق محلية، ونطالب بلجنة تحقيق دولية لنكشف الحقيقة ولنعرف كيف وقع انفجار بيروت، ولا ثقة بهذه الحكومة أنها قادرة على كشف الحقيقة».
وسأل جنبلاط «هل هي صدفة أم مؤامرة؟.. التحقيق سيكشف ذلك»، وأضاف: «من المعلومات الضئيلة التي أملكها، هذه الكمية الهائلة التي أتت من الأمونيوم إلى مرفأ بيروت وبقيت تقريبا 6 سنوات، لا تنفجر حتى لو كانت سامة أو متفجرة لوحدها، إنها بحاجة لصاعق، وعندما نرى كيف أن ذخائر أو مفرقعات معينة بدأت تنفجر تمهيدا للانفجار الكبير هذا هو الصاعق»، بحسب قوله.
 
سفينة الأمونيوم
من جانبها، قالت ممثلة المنظمة الخيرية، «صندوق مساعدة البحارة»، سفيتلانا فابريكانت: إن طاقما أوكرانيا نقل شحنة نترات الأمونيوم التي صودرت في بيروت من السفينة «Rhosus”.
وأفادت فابريكانت، بأن سفينة الشحن تلك كانت مملوكة لرجل أعمال روسي يدعى، “إيغور غريتشوشكين”، وكان قبطانها أيضا روسيا، إضافة إلى طاقم من سبعة أوكرانيين.
وصرّحت المتحدثة باسم المنظمة الخيرية بأن السفينة “Rhosus”، غادرت ميناء باتومي (جورجيا) في عام 2013 محملة بشحنة من نترات الأمونيوم، متوجهة إلى موزمبيق، إلا أنها اضطرت، بسبب مشكلات فنية، إلى الدخول إلى مرفأ بيروت، وإثر ذلك، أفرجت السلطات اللبنانية عن أربعة من أفراد الطاقم الصغار من السفينة، بينما بقي القبطان على متنها لمدة 11 شهرا.
وكشفت فابريكانت عن إن أفراد الطاقم المتبقين “عاشوا على ظهر السفينة المتوقفة من دون مصدر للدخل، ومن دون طعام ولا مساندة، وكانوا مجبرين على العيش في ظروف غاية في الصعوبة، وعلى حراسة السفينة وحمولتها، كما أن صاحب الشحنة في موزمبيق رفض البحث عن سفينة أخرى”، ولاحقاً استلم أفراد الطاقم وثائقهم وتمكنوا من العودة إلى بيوتهم، وجرى  حجز الشحنة كضمان لمستحقات الميناء ببيروت، في حين أن السفينة نفسها غرقت منذ عامين.
 
تعليقات أميركية
في سياق متصل، علق وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، على انفجار «مرفأ بيروت»، مؤكدا أن الولايات المتحدة «لا تزال تجمع المعلومات عما حدث».
وقال إسبر، خلال منتدى أسبن الأمني السنوي: إن «المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن الانفجار كان حادثًا ولم يكن عملا مدبرا»، مشيرا إلى أنه «تحدث عن الانفجار مع وزير الخارجية مايك بومبيو»، وأضاف: «نتواصل مع الحكومة اللبنانية، نحن نهيئ أنفسنا لتقديم أي مساعدات ممكنة، من خلال مساعدات إنسانية أو إمدادات طبية، لمساعدة شعب لبنان».
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تحدث فجر أمس، مجددا عن الأسباب التي أدت إلى الانفجار الهائل الذي ضرب مرفأ بيروت، وقال «إنه لا يمكن لأحد أن يقول حاليا ما إذا كان الانفجار المدمر الذي وقع في بيروت كان نتيجة هجوم».
وأضاف: «لا أعتقد أن أحدا يستطيع أن يجزم الآن، نحن نبحث في الأمر بقوة، بعض الناس يعتقدون أنه كان هجوما، وآخرون يدحضون ذلك الرأي، وبعضهم يقول عبوة ناسفة».
وتتناقض تصريحات ترامب مع حديث بقية المسؤولين الأميركيين، حيث قال في وقت سابق: إن عسكريين أميركيين بارزين يعتقدون أن الانفجار في مرفأ العاصمة اللبنانية بيروت كان بسبب «قنبلة من نوع ما»، بينما نفت مصادر في وزارة الدفاع الأميركية وجود أي دليل لديها على أن انفجار مرفأ بيروت كان ناتجا عن «هجوم».
وتواصلت لليوم الثالث على التوالي، وصول الطائرات المحملة بالمساعدات والفرق الطبية إلى لبنان من عدة بلدان في العالم، وأعلنت منظمة الصحة العالمية، وصول طائرة تحمل 20 طنا من المساعدات الصحية لفرعها في لبنان، لدعم علاج المصابين في
الانفجار.
وتعمل القوات الجوية الروسية منذ وصولها إلى لبنان على تركيب المستشفى الميداني في بيروت، لاستقبال المتضررين من الانفجار وعلاجهم، وتأتي هذه الخطوة في إطار جملة من الإجراءات، التي اتخذتها روسيا لمساعدة المنكوبين في لبنان، حيث وصلت أمس الخميس، رابع طائرة مساعدات إنسانية روسية إلى مطار بيروت محملة بالتجهيزات والمعدات الطبية، بالإضافة إلى مختصين في مجال الطب لمساعدة المنكوبين.
كما أرسلت كل من الجزائر ومصر وإيران وبلدان أخرى، طائرات وبواخر محملة بالمساعدات إلى لبنان، وأعلنت الرئاسة الجزائرية أنه تقرر إرسال أربع طائرات وباخرة إلى لبنان تحمل مساعدات إنسانية وفرقا طبية ورجال إطفاء وأغذية ومواد بناء، لمساعدة لبنان على إزالة آثار انفجار 
بيروت.