بين مشهدين !

الاثنين 10 آب 2020 277

بين مشهدين !
محمد صالح صدقيان 
 
صُدِم العالم العربي بل العالم بأسره وهو يشاهد هول الكارثة التي حلت بالعاصمة اللبنانية بيروت في يوم «الثلاثاء الاسود» جراء انفجار حدث في مرفأ بيروت لأسباب ما زالت تبحث عن اكثر من سؤال يتعلق بمن يقف وراء استيراد المادة المتفجرة التي دخلت المرفأ؟ ومن المستفيد من استهداف «العنبر رقم 12» الذي يحتضن هذه المادة؟ وهل ان الحادث سوء تخزين واهمال؟ او انه عمل مفتعل تقف وراءه اجندات معينة داخلية 
ام خارجية ؟ .
وحتى يتم الاتفاق على تشكيل لجنة تحقيق محايدة لبنانية كانت او عربية او دولية، هناك المزيد من الوقت لمعرفة نتيجة التحقيق، لكن ما يمكن معرفته الان من دون تحقيق ان عاصمة عربية احترقت. قتلى وجرحى ومشردون. 154 قتيلا و66 مفقودا وخمسة الاف جريح والخسائر بالملايين. كارثة بما تحمل الكلمة من معنى دفعتنا لا أن نفكر بآلية لوضع حد لمعاناة شعوبنا، وانما للبحث عن قاتل مزعوم نضع في سلته اتهامات لتعزيز هذا الموقف السياسي او ذاك في سردية تحاول المتاجرة بالدماء وارواح 
«عيال الله» .
كنت في حديث مع دبلوماسي شاب لا يحمل الجنسية العربية قال لي: لماذا هذا الاهتمام ببيروت في الوقت الذي اغتيلت لكم اكثر من عاصمة وانين الضحايا ما زال يسمع من تحت الرماد والقتلى والدمار يضاعف ما حدث في بيروت؟ اضاف صديقي.. الانكى من ذلك انكم تنتظرون التحقيق في الوقت الذي تعرفون من دمر واحرق وسبى وعبث بعواصمكم الاخرى! ماذا فعلتم سابقا حتى تنتظروا نتيجة التحقيق في بيروت؟ صمتُّ قليلا لأفكر في ما قال وفي 
ما سأقول . 
قلت له ان امين الجامعة العربية احمد ابو الغيط جاء الى لبنان واعرب عن استعداده لتقديم الدعم في التحقيق بانفجار المرفأ!. بقيت انظر اليه وهو ينظر الى وجهي بعطف لا يخلو من عدم احترام في الوقت الذي احسست اني محشور في زاوية الحلبة لا املك الجواب المقنع الذي أدافع فيه عما حدث 
وما يحدث . 
ربما ما قاله صديقي صحيح، لكنه لا يعلم ان بيروت احتضنت خلال نصف قرن او اكثر كل المعذبين والمظلومين والمستضعفين والمضطهدين من كل بلادنا العربية. من ضاقت به الدنيا فبيروت هي المأوى. من هرب من سجون الانظمة القمعية كانت بيروت ملاذا له... من فكر بانشاء حزب سياسي لمقارعة نظامه المستبد ذهب الى بيروت ليجد من يحتضنه من اليسار واليمين على 
حد سواء. 
حتى جامعتها الاميركية التي اسسها اصحابها لتبشر بالثقافة الغربية صارت مرتعا للمناضلين الذين يفكرون في التخلص من الاستعمار والاستبداد والقهر والحرمان. 
ربما لن تكون بيروت اخر عاصمة تشهد مثل هذه الكارثة فاليوم بيروت وغدا – لا سمح الله  - نستيقظ على كارثة اخرى وفاجعة جديدة، 
وماذا بعد؟. 
مهما كانت نتيجة التحقيق في «يوم الثلاثاء الاسود»، لكننا يجب ان نقتنع ان الاوضاع الشاذة وعدم الامن والاستقرار في بلداننا العربية ستخلق لنا المزيد من الكوارث الانسانية والامنية والسياسية. البعض يحلو له ان يلقي تبعات هذه الاوضاع على هذا الطرف او ذاك، دون ان يسمح له الاعتراف ان «حصوننا مهددة من الداخل». 
لماذا يجب على مصر ان تقف وحدها لمواجهة مشكلة سد النهضة في اثيوبيا ؟ لماذا نتفرج على ما يحدث في ليبيا؟ وماذا عن تونس وبغداد ودمشق وصنعاء والقدس؟ هل نحن متيقنون باننا لسنا جزءاً من المشكلة؟ وهل نستطيع ان نكون جزءاً 
من الحل؟. 
التاريخ علمنا ان اي امة عاجزة عن جمع شتاتها لا يمكن لها ان تكتب لها النجاح، ولو بقيت عقودا تستنجد بهذا او تتوسل بذاك... وعلمنا ايضا انه لا احد يبكي على مأساتنا وتشتتنا وفرقتنا وهزيمتنا ما لم نكن مستعدين للجلوس على طاولة الحوار لنحدد خريطة طريقنا... 
وعلمنا كذلك انه اذا لم نحترم انفسنا لا يوجد من يحترمنا، صعدنا او نزلنا، صرفنا هذه الاموال ام اودعناها في هذا البنك او ذاك. ان الحياة ستجبرنا يوما ما على الجلوس على طاولة حوار لنفكر في ملاذات الخروج من هذه المأساة. حكومات وانظمة سياسية واحزاباً وادياناً ومذاهب وطوائف 
وقوميات وعشائر. 
الغريب اذا كنا مقتنعين ان في هذه الاوضاع لن يكون هناك لا غالب ولا مغلوب وانما 
الكل خاسر. 
لماذا لا نجلس اليوم قبل الغد على طاولة حوار لانهاء هذه المأساة او للتقليل من حدتها؟ هل اننا بحاجة لكوارث اكبر وصدمات كهربائية اقوى حتى نقتنع ان العدو يتربص بنا الدوائر وان خيارنا الوحيد التفاهم والحوار من اجل الوصول الى قواسم مشتركة للحياة والتمتع بثرواتنا وامكانياتنا وحاضرنا 
ومستقبلنا؟