الـمـعلّـم

الثلاثاء 11 آب 2020 118

الـمـعلّـم
محمد صابر عبيد
 
من هو الذي يستحق الحصول على هذا اللقب الكبير بجدارة: «المعلم»؟.. وهو لقب عظيم لا يستطيع الحصول عليه إلا من تمكن أن يجمع صفات عدة نادرة، ويقوم بمهمة حضارية طليعية تنويرية لا يمكن أن يقوم بها سواه، إذ تكون مهنة التعليم المهنة الأكثر تأثيراً وإنتاجاً وجمالا من سواها، لذا ينبغي أن تكون حلقات إعداد المعلم من الكثافة والخصب والعمق والعلمية والثقافة والفكر والمعرفة ما لا ينفق في سبيل إعداد سواه، فلا تبدأ الحضارة إلا من عتبة المعلم الذي إذا ما تكون تكوناً صحيحاً وأخذ دوره الحقيقي في أعلى السلم فإن مسيرة الحضارة تنطلق فعلا بلا توقف في ميادين الحياة الأخرى كافة، فهو القائد المركزي الأساس لأنواع القادة الآخرين في المجتمع.
تنطلق فكرة بناء المعلّم من ستراتيجيّة التعليم القائمة على أسس يكون المعلّم فيها قائداً أصيلاً، إذ يقود الجيل الباني للحضارة والمؤسِّس لانطلاقتها، وهو ما يستلزم على المعلّم أن يكون في مستوى هذه المَهمّة الكبرى في الحياة، ونحسب أنّ أوّل صفات الشخصيّة التي ينبغي أن يتحلّى بها المعلّم هي الصبر المقترن بالحكمة، الصفة الأكثر لزوماً للمهنة، إذ تبلغ أعلى درجاتها حين يصل التكوين الذاتيّ المهنيّ للمعلّم أقصاه، بما يعني أنّ وظيفة المعلّم وظيفة حساسّة لا يصلح لها كلّ حاصل على شهادة جامعيّة تربويّة أو غيرها، فالشهادة الجامعيّة التربويّة هي في أدنى سلّم الأولويّات في تقويم تأهيل المعلّم لهذه المهنة على ضرورتها الإجرائيّة، لكنّها ليست سوى نقطة الانطلاق فقط، ولن يكون لها معنى أو قيمة حين لا تتوفّر الصفات والخصائص والإمكانات النوعيّة الأخرى الواجبة في طبقات التأهيل الأكاديميّة والنفسية والثقافيّة، ابتداءً من المرحلة الأولى والأخطر إذ يكون فيها معلم المرحلة الابتدائيّة القائد التنويريّ الأكثر تأثيراً وإنتاجاً في المسيرة التعليميّة الكبرى بأكملها.
لعلّ أولى الصفات الواجب توفّرها في معلّم المرحلة الابتدائيّة هي أن يكون مقتنعاً كامل القناعة بمهنته، محباً لها، مؤمناً بها، وفياً لها، وقد قطع على نفسه عهداً أن يخلص لها بكلّ جزئياتها وتفاصيلها وحيثياتها أكبر الإخلاص، فمهنة التعليم في هذه المرحلة تحتاج إلى طاقة صبر هائلة تكلّف المعلّم جهداً لا يمكن تصوّره، حين يعزم على إيصال المادة التعليميّة إلى الأطفال استيعاباً وفهماً وتمثلاً كاملاً، وأن يكون هدفه الحقيقيّ هو الطالب الأقلّ استيعاباً وقدرة على الفهم، لا يكفّ عن تقديم المادة له بطرق مختلفة حتى يطمئن على وصول المادة إليه بروح أبويّة تسهّل للتلميذ بطيء الفهم تجاوز حالته، وهذه صفة “ميتا إنسانيّة” إذا صحّ التعبير وقد لا تتوفّر بسهولة إلا في أولئك الذين يدركون خطورة المهنة وقيمتها وطبيعتها، ومن هنا بالضبط تبدأ المسيرة الصحيحة حين يأتي معلّم المرحلة الثانويّة بالصدق المهنيّ نفسه وكذلك معلّم المرحلة الجامعيّة ومعلّم الدراسات العليا، إذ يجب أن يبقى المعلّم معلّماً بهذه المواصفات مهما ارتفعت درجة المرحلة التعليميّة. إذا جاز لي في هذه المناسبة أن أتحدّث عن تجربتي المتواضعة في سلك التعليم فبوسعي القول إنني عُيّنتُ معلماً في ثانوية زمّار للبنين بعد التخرّج في الجامعة مباشرة عام 1979، وبقيت في التعليم الثانويّ حتى تمّ نقلي إلى الجامعة عام 1990 بعد حصولي على الدكتوراه، وأمضيت ما يقرب من ثلاثين عاماً في التعليم الجامعيّ حتى حصولي على التقاعد عام 2020، وحصلت على درجة الأستاذيّة عام 2000، وبعد هذه المسيرة كلّها أعترف الآن أنّني لم أكن معلماً ناجحاً، ولم تكن شخصيّتي الإنسانيّة بالكفاءة والمهنيّة والطاقة والقدرة والأهليّة التي ينبغي أن يكون عليها المعلم الناجح، فأنا بطبيعتي شخصية ملولة وغير صبورة وفيها قدر كبير من النزق بما لا يصلح لهذه المهنة المقدّسة الشاقّة، كنتُ أقرب إلى التفلّت من الالتزامات مهما كانت صغيرة وجزئية والانطلاق نحو أرحب مساحة ممكنة من الحريّة واللعب واللهو، وأعترف أيضاً أنني غير مؤهّل لنيل درجة الأستاذيّة فثّمة الكثير مما ينقصني – معرفياً وثقافياً وتربوياً وفكرياً - كي أحصل على هذا اللقب الأكاديميّ الرفيع، مع كلّ ما أنجزته في حياتي المهنيّة والأدبية على مدى أربعة عقود.  طبعاً في وقتها كنت أتلهّف جداً -لأسباب أراها الآن تافهة وواهية وعاطفية متسرّعة- للحصول على هذا اللقب الرفيع، وفعلاً حصلت عليه حتّى قبل المدة التقليديّة المقرّرة، لكنّ لو كنت بهذا الوعي لما أقدمت على اقتراف هذا الخطأ في حياتي أبداً، فإذا كنتُ مقتنعاً بأنني لا أصلح للتعليم أصلاً فكيف بي وأنا أحصل على أعلى لقب علميّ أكاديميّ في العالم، أشعر الآن بالخجل من هذا اللقب فهو لا يتلاءم مع إعدادي المعرفيّ المتواضع ولا مع إمكاناتي المهنيّة التعليميّة البسيطة، ومنذ زمن تخلّيتُ بهذه القناعة الأكيدة عن صفة “دكتور” وصفة “أستاذ” في اسمي، مكتفياً باسمي الثلاثيّ الذي يمثّلني حصراً عارياً من أية إضافة أو لقب أو صفة يمكن أن تضعني في غير مقامي.
قد أكون باحثاً جيداً في مجال المعرفة النقديّة إلى حدّ ما لكنني قطعاً على المستوى المهنيّ “معلّم فاشل”، قد لا يقبل بعض طلبتي بهذا الكلام لحبّهم لي واعتزازهم بي لكنّني بالتأكيد أعرَفُ بنفسي من غيري، وأعتذر منهم على صراحتي التي تريحني كثيراً ولاسيما بتنازلي عن لقب “أستاذ” الذي لا أستحقه فعلاً، وحصلت على الراحة الأكبر حين خرجت من هذه المهنة الراقية ولم أعد أشعر بالذنب تجاه طلبتي الذي لم أحسِن تدريسهم.
لم أكن معلماً ناجحاً على مدى أربعين سنة خدمة في التعليم مع أنني كنت أحاول ما وسعني ذلك، وكنتُ فعلاً قد أحببتُ هذه المهنة ربّما لأنني لا أصلح لغيرها ولا أجيد عملاً غيرها، غير أنّ حبّ المهنة وحده لا يكفي إذ لا بدّ من مؤهلات مستوفية تجعل المرء لائقاً لما يمتهن، وقادراً على الإخلاص لمهنته والتفاني من أجلها، ولم أكن أحمل هذه المؤهلات على القدر الكامل من المسؤولية الذي يتيح لي أن أنجح في مسعاي، ولا أدري إن كان عليّ أن أعتذر من كلّ الذين درّستهم في حياتي عن النقص الذي لحق بهم بسببي، أم أعتذر لنفسي على أنني كلّفتها بما لا طاقة لها به، أم أقنع نفسي بشرف المحاولة كي أكون معلماً ناجحاً حتى وإن انتهت هذه المحاولة إلى الفشل؟