استقالة الحكومة اللبنانية

الثلاثاء 11 آب 2020 314

استقالة الحكومة اللبنانية
بيروت / جبار عودة الخطاط 
 
اعلن رئيس مجلس الوزراء اللبناني حسان دياب في كلمة الى اللبنانيين مساء أمس الاثنين، استقالة الحكومة، وذلك على خلفية تأجج الاحتجاجات واتساع الضغوط التي مارستها قوى سياسية معروفة عقب انفجار مرفأ بيروت الذي خلف دماراً هائلا وآلاف الضحايا من القتلى والجرحى، وقال دياب: إن "منظومة الفساد أكبر من الدولة، ونحن لا نستطيع التخلص منها، وأحد نماذج الفساد انفجار بيروت.
وأضاف، "لا نزال نعيش هول المأساة التي ضربت لبنان وأصابت اللبنانيين في الصميم والتي حصلت نتيجة فساد مزمن في الإدارة، حجم المأساة اكبر من أن يوصف، ولكن البعض يعيش في زمن آخر والبعض لا يهمه سوى تسجيل النقاط الشعبوية الانتخابية".
وتابع دياب: "هؤلاء لم يقرؤوا جيدا ثورة 17 تشرين، وتلك الثورة كانت ضدهم واستمروا في حساباتهم وظنوا أنهم يستطيعون تمييع مطالب اللبنانيين بالتغيير"، وأضاف قائلاً: "كل ما يهمنا انقاذ البلد، وتحملنا الكثير من الأمور وكنا نريد العمل ولم تتوقف الأبواق عن محاولة تزوير الحقائق لحمايتها، يطالب اللبنانيون بالتغيير، ولكن بيننا وبين التغيير جدار سميك جدا تحميه طبقة تقاوم بجميع الأساليب الوسخة من أجل الحفاظ والتحكم بالدولة، وقاتلنا بشراسة وشرف، ولكن هذه المعركة لا يوجد فيها تكافؤ واستعملوا كل الأسلحة وكذبوا على الناس وشوهوا الحقائق، وكانو يعلمون أن الحكومة تشكل تهديدا لهم".
وتابع: "اليوم وصلنا إلى هنا، إلى هذا الزلزال الذي ضرب البلد مع كل تداعياته الإنسانية والاجتماعية والوطنية، وهمنا الأول التعامل مع هذه التداعيات واجراء تحقيق فعال، نحن اليوم نحتكم إلى الناس إلى مطلبهم محاسبة المسؤولين على هذه الكارثة"، وأردف دياب: "حاولوا تحميل الحكومة مسؤولية الانهيار والدين العام فعلا (اللي استحوا ماتوا)، وهذه الحكومة بذلت جهدا لوضع خريطة طريق"، ولفت الى أن "هناك من يزور الحقائق ويعيش على الفتن ويتاجر بدماء الناس في ساعات التخلي".
ثم أعلن دياب استقالة الحكومة، وختم قائلاً: "الله يحمي لبنان، الله يحمي لبنان".
وكانت "الصباح" نقلت عن مصادر مطلعة في تقرير موسع أمس الأول الأحد، ترجيحها تقديم الحكومة اللبنانية استقالتها بعد ضغط من الشارع وقوى سياسية معينة، كما تحدثت تلك المصادر عن معلومات "غير مؤكدة" عن تكليف السفير نواف سلام بتشكيل الحكومة الجديدة.
 
ما قبل الاستقالة
وشهد يوم أمس الاثنين، استقالة وزيرين، هما: وزير المالية اللبناني غازي وزني، وسبقته وزيرة العدل اللبنانية، ماري كلود نجم، التي أعلنت استقالتها إلى رئيس الوزراء حسان دياب، وتعد هاتين الاستقالتين في حكومة دياب الرابعة من نوعهما، حيث أعلن وزير البيئة والتنمية الإدارية دميانوس قطار، أمس الأول الأحد استقالته من الحكومة، وذلك بعد ساعات على استقالة وزيرة الإعلام منال عبد الصمد.
كذلك قدم عدد من النواب استقالاتهم من مجلس النواب، من بينهم أعضاء يمثلون تكتلات نيابية مختلفة وآخرون مستقلون، وذلك على خلفية تداعيات الانفجار المدمر الذي تعرضت له العاصمة بيروت والتدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والمالية، التي تشهدها البلاد.
مجموعة من الوزراء في الحكومة المستقيلة؛ ومنهم وزراء الصحة والصناعة والعدل والدفاع أعلنوا بعد اجتماع حكومي مطول الإثنينان "استقالة الحكومة ليس تهرباً بل هو استشعار بالمسؤولية الكبيرة بعد كارثة مرفأ بيروت"، كما تغير جدول أعمال الجلسة مع الاستقالات المتتالية للوزراء والضغط لمزيد من الاستقالات، ليصل الأمر في ظل انسداد الأفق هذا الى بالمطالبة بحكومة عسكرية، فقد طالب النائب ميشال ضاهر قائلاً: "بعد الفشل الذريع للحكومة ونتيجة الاشتباك السياسي وعدم التوافق الذي قد يؤخر تشكيل حكومة جديدة، وبعد هذا الغضب العارم  للشارع، والنكبة التي حلت على العاصمة.. هل بتنا بحاجة الى حكومة عسكرية موقتة تكون هي الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة؟". 
بينما أكد النائب جميل السيد ان "حكومة دياب ستبقى حكومة تصريف أعمال إلى ما شاء الله طالما لم يتم تشكيل حكومة بديلة، ثم ما هي الحكومة البديلة؟
هل هي عودة الطاقم السياسي القديم الذي أوصل البلد الى الدمار؟ أم تركيبة جديدة تشبه حكومة دياب يحكمونها من خارجها؟ باختصار، الاسباب نفسها تؤدي إلى نفس النتائج".
وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري أعلن أمس الأول الأحد، عن جلسات مفتوحة للمجلس ابتداء من قبل ظهر الخميس المقبل في قصر الأونيسكو، لمناقشة الحكومة في أسباب تفجير المرفأ ومدى مسؤولية الحكومة عن ذلك، وقد دعا بري هيئة مكتب المجلس الى اجتماع بهذا الشأن.
 
اتصالات حثيثة
على صعيد ذي صلة كشفت مصادر مقربة من القوات اللبنانية التي يتزعمها سمير جعجع، عن انّ "التواصل قائم على قدم وساق مع تيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي من أجل استقالة تحقق ثلاثة أمور دفعة واحدة: إفقاد مجلس النواب ميثاقيته، استقالة الثلث زائدا واحدا من أعضائه، وهذا الثلث متوافر، ما يعني تحويل الانتخابات المبكرة أمراً واقعاً مع افتقاد المجلس إحدى وظائفه الأساسية، إن بانتخاب رئيس جمهورية او التصويت على قوانين تتطلب الثلثين، والأمر الثالث تحقيق أحد أبرز المطالب الشعبية".
ولفتت المصادر الى أن "أي استقالة لا تجعل الانتخابات المبكرة أمراً واقعاً لا تحقق الهدف المطلوب في هذه المرحلة، إنما تؤدي إلى تمديد الأزمة  بينما الاستقالة القادرة على تأمين الثلث وما فوق تؤدي إلى شل مجلس النواب وتعطيل عمل الأكثرية وفرض انتخابات نيابية مبكرة"، معتبرة أن "أي كلام عن تغيير قانون الانتخاب في هذه المرحلة الهدف منه ضرب الانتخابات المبكرة، لأنّ الاتفاق على أي قانون جديد في ظل هذا الوضع المأزوم أمر مستحيل، بينما الاتفاق على القانون الحالي استغرق عشر سنوات.
 
مواجهات صاخبة
وفور تسرب خبر استقالة الحكومة، تصاعدت حركة الإحتجاجات في وسط بيروت حيث احتشد متظاهرون ساخطون قرب مبنى مجلس النواب اللبناني في عين التينة، وتصاعدالتوتر عند الحواجز الفولاذية المؤدية إلى ساحة مجلس النواب، حيث اندلعت مواجهات بين قوات الأمن ومحتجين يسعون لاقتحام البرلمان عند مدخل ساحة النجمة، وبدا المحتجون في حالة غضب وهيجان وراحوا يطلقون المفرقعات ويرشقون الحجارة باتجاه القوى الامنية عند مدخل ساحة البرلمان، بينما عمد رجال الأمن اللبنانيون وهم يتمترسون خلف الحاجز الحديدي الى إطلاق الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين بغية تفريقهم. 
في هذه الأثناء، عقد في بيت الوسط ببيروت لقاء بين رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب تيمور جنبلاط الذي زار الحريري على رأس وفد ضم النواب: نعمة طعمة، اكرم شهيب، وائل ابو فاعور، بلال عبدالله، هادي أبو الحسن وفيصل الصايغ، في حضور النائب السابق غطاس خوري، وجرى خلال اللقاء عرض لآخر المستجدات السياسية في البلاد و"سبل تنسيق المواقف في المرحلة المقبلة" كما أفادت مصادر بيت
الوسط.
 
انطلاق التحقيق
إلى ذلك، أطلق المحامي العام التمييزي اللبناني القاضي غسان الخوري أولى جلسات التحقيق في إنفجار المرفأ، وبدأ أمس الإثنين، الإستماع الى إفادة مدير عام جهاز أمن الدولة اللواء طوني صليبا في قصر العدل في بيروت على ان تعقب هذه جلسة جلسات أخرى تشمل شخصيات نافذة بهذه القضية.
وعلمت "الصباح" من مصادر مطلعة أنّ اللجنة العليا الخاصة بالتحقيق في تفجير مرفأ بيروت الكارثي، قد أنجزت تقريرها ورفعته للأمين العام لمجلس الوزراء بغية عرضه في إحدى جلسات الحكومة التي من المقرر عقدها بشأن التفجير المذكور. وواكب التقرير في تفاصيله ما وثقه من معطيات تحقيقية عن تفجير المرفأ منذ دخول الباخرة الضخمة التي كانت تحمل نيترات الامونيوم في عام 2014 وحتى ساعة التفجير الهائل، وتفيد المعلومات بتثبيت قائمة من الاسماء تتألف من عشرين شخصاً مع الإشارة الى المسؤولية السياسية التي تتابع على تحملها الوزراء طيلة هذه الاعوام تمهيداً  لاخذ إفاداتهم بالقضية. 
 
البحث تحت الأنقاض
الجيش اللبناني من جهته؛ أعلن أن "الأمل بالعثور على أحياء تحت أنقاض التفجير المدمر في المرفأ بات ضعيفاً"، وأكد الجيش في بيانه أنه"قام بتقسيم المرفأ لقطاعات وتسلم كل فريق اجنبي قطاعا، والأمل بات ضعيفاً بإيجاد أحياء، وأن الفرق التي كانت تبحث عن أحياء اعتبرت أن عملها انتهى"، وشدد البيان على أن "هناك كميات هائلة من الردم في مرفأ بيروت، وأن الفرق الفرنسية والتركية والروسية تواصل عمليات رفع الأنقاض معنا لمحاولة العثور على أشلاء".على صعيد آخر، نفى الجيش اللبناني "وجود أنفاق تحت بقعة الانفجار في المرفأ، تتبع لأحد التنظيمات اللبنانية" كما بثته إحدى الفضائيات العربية، وجاء في البيان الصادر عن قيادة الجيش- مديرية التوجيه:"تداول بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي خبراً يزعم وجود أنفاق تحت بقعة الانفجار في المرفأ، تتبع لأحد التنظيمات اللبنانية، ويهم قيادة الجيش أن تنفي نفيا قاطعا صحة هذه المزاعم، وتوضح أن الإهراءات تضم مبنى تحت الأرض لإدارتها حيث يتم الوصول إلى غرفة عمليات الإهراءات عبر نفق يمتد من المدخل الشرقي للإهراءات باتجاه الغرب".
ومضى البيان الى تأكيده: "يتناوب موظفون على مدار الساعة على العمل في غرفة العمليات التي تحتوي على أنظمة تشغيل المصاعد داخل الإهراءات وآلية سحب الحبوب من 
البواخر".
 
نتائج متواضعة
الشارع اللبناني؛ استقبل النتائج التي تمخض عنها مؤتمر المانحين الذي عقد عبر الدائرة التلفزيونية برعاية فرنسية يوم الأحد بشيء من الفتور بعد الإعلان عن المبالغ التي رصدها المؤتمر والتي وصفتها الأوساط الإعلامية في لبنان بـ "المتواضعة والمخيبة للآمال"، بينما أفادت مصادر الرئاسة الفرنسية في باريس بأنها تلقت تعهدات لمساعدة لبنان على المدى القريب بنحو 252.7 مليون يورو، بينما أشارت أنباء صحفية الى أنّ "الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هدّد بأن العقوبات ستطال شخصيات لبنانية"، موضحاً أنّ "هذه العقوبات تشمل عدم إصدار تأشيرات، وحجز أموال في الخارج"، الأمر الذي جعل سفير لبنان لدى الولايات المتحدة غابي عيسى ينفي وجود عقوبات أميركية أو فرنسية كما يشاع على الوزير السابق جبران باسيل صهر الرئيس اللبناني ورئيس التيار الوطني الحر. 
 
انتقادات إيرانية
من جانب آخر، أكدت وزارة الخارجية الإيراينة، أن "البعض في لبنان يسعى لتحقيق أهداف سياسية بتحريض من دول خارجية"، وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، في مؤتمر صحفي، أمس الاثنين: "نرفض استغلال بعض الأشخاص والجماعات والدول لانفجار بيروت لتحقيق أغراض سياسية.. البعض في لبنان يسعى لتحقيق أهداف سياسية بتحريض من دول خارجية".
وأضاف موسوي، أن "بعض الدول تحاول نفاقا أن تظهر على أنها تقف إلى جانب الشعب اللبناني، وإذا كانت صادقة فعليها رفع العقوبات عن لبنان"، كاشفاً عن زيارة مرتقبة لمسؤول كبير إلى لبنان خلال الأيام 
المقبلة.