قصة وهب الأعضاء وإطالة العمر في بريطانيا

الجمعة 14 آب 2020 165

قصة وهب الأعضاء وإطالة العمر  في بريطانيا
لندن/ ورود الموسوي 
في العام 2019 أعلنت وزارة الصحة البريطانية أنها تعتزم أخذ الأعضاء السليمة من كل شخص متوفى في المملكة المتحدة وتم إنشاء موقع الكتروني يتيح للناس التسجيل بأسمائهم وهوياتهم الشخصية للاختيار بين القبول والرفض وذلك عن طريق تعبئة استمارة يوقع عليها الشخص ويختار بين الرفض بالتبرع بالأعضاء وبين القبول.
وبهذا يضمن الشخص أن أعضاءه لن تؤخذ منه من دون موافقته، إذ إن القانون الجديد ينصّ على أخذ الأعضاء من كل شخص يتوفى ولم يوقع على رفضه للتبرع. بمعنى أن كل شخص في بريطانيا يصبحُ متبرعاً بأعضائه ما لم يسجّل في هذا الموقع ويرفض التبرع بأعضائه.
ضجةً كبرى
أثار هذا الموضوع ضجةً كبرى في بريطانيا بين مؤيد ومعارض، لكنّ الأبحاث تشير إلى قلة وجود متبرعين وأنَّ هذا الفعل هو إنقاذٌ لحياة كثيرين خاصة مرضى الكبد والقلب وقرنية العين وحتى الرئة. فقد أثبتت الدراسات أنَّ بعض أعضاء الجسد لديها القدرة على التقدم في العمر وتدوم عمراً أطول من أعمار أصحابها.
ويدافع ريتشارد كنغ الطبيب المساعد في مستشفى سانت ميري بلندن عن فكرة التبرع بالأعضاء ويروي حالة إحدى المريضات فيقول: إنَّ "الوضع كان بائساً جداً حين أتت إلينا (آنّا) وهي فتاة تبلغ من العمر 19 عامًا مصابة بمرض في الكبد وبحاجة ماسة إلى عملية زرع عاجلة لكنْ أثناء وضعها على قائمة الانتظار، أصيبت بالاعتلال الدماغي الكبدي، وهي حالة تتراكم فيها السموم في مجرى الدم بسبب كبدها الفاشل، الأمر الذي يؤثر في دماغها ولم يمض وقت طويل حتى بدأ كبدها بالانغلاق تمامًا فاندفع الأطباء لإنقاذ حياتها. لكنْ واجهتهم مشكلة حقيقيَّة، إذ لم يجدوا كبداً للتبرع فكان خيارهم الوحيد هو الكبد الذي رفضته المستشفيات الأخرى، إذ يُعدُّ في حالة - سيئة - ليس فقط لأنه يحتوي على كيس ناجم عن عدوى طفيليَّة، ولكن لأنَّ صاحبته السابقة كانت امرأة قد بلغت من العمر 93 عامًا ومتوفاة مؤخرًا فكان العضو قديمًا وفقًا لمعايير الزرع، خاصة بالنسبة لعمر المتلقية الأصغر سنًا".
لكن مع عدم وجود أعضاء أخرى متاحة وخيارات أخرى قليلة، مضى الأطباء قدماً في عملية الزرع وقد أجريت العملية في مستشفى لندن بريدج في قسم زراعة الكبد عام 2011 وتوجت العملية بنجاح وقد نجت الفتاة الصغيرة من موت محتم وبعد ست سنوات أنجبت طفلة سليمة معافاة واحتفلت بعيد ميلاد ابنتها الأول وهي بعمر السابعة والعشرين واحتفلت بعيد ميلاد كبدها حيث بلغ المئة!".
يضيف كينغ أنَّ "قليلين منا يعرفون بأن أكبادنا قد تعيش أطول منا وقد تبلغ عمر أجدادنا فبعض أعضائنا لديها القدرة على العيش بعدنا، بينما يشيخ البعض الآخر بسرعة أكبر". 
 
التباين العمري
موضوع التبرع بالأعضاء أخذ حيزاً كبيراً من الدراسات والأبحاث وأصبحت معرفة عمر الأعضاء البشرية من الأمور المثيرة للفضول في الأبحاث المتخصصة بـ (طول العمر) وقد اتفقوا على أنَّ عمر الإنسان الفعلي يبدو أقل أهمية أمام العمر البيولوجي.
ففي الواقع، يميل الباحثون إلى أنْ يكونوا أكثر اهتمامًا بالتباين بين عمر الإنسان الزمني - عدد السنوات منذ الولادة - والعمر البيولوجي، وهو مفهوم يستخدم لوصف عمر أجسادنا وحالة أعضائنا مع تقدمنا ​​في السن. ويرى الباحثون أنه قد يتم الربط بين العمرين لكنهما منطقياً لا يتطابقان دائمًا؛ لأنَّ المزيج المعقد من العوامل الجينيَّة ونمط الحياة والعوامل البيئية التي تحدد مدى سرعة عمر أجسامنا لا تؤثر في جميع أعضائنا بالقدر ذاته، لذلك قد يكون لدينا مظهر شاب يبلغ من العمر 38 عامًا، لكن (كليته) قد تكون ذات مظهر ذابل لشخص غير صحي يبلغ من العمر 61 عامًا، وبالمقابل قد يكون لدينا شخص يحمل كل التجاعيد وقد تساقط شعره ويبدو قد بلغ من العمر 80 عامًا، ولكن لا يزال لديه قلب نابض بالحياة يبلغ من العمر 40 عامًا.
يُشبّه مايكل سنايدر، (عالم الوراثة بجامعة ستانفورد ببريطانيا)، الجسد بالسيارة فيقول إنَّه: "بمرور الزمن ينخفض ​​أداء السيارة بالكامل، لكن بعض الأجزاء تبلى بشكل أسرع من الأخرى فإذا بدأ محرك سيارتك في العمل، يمكنك إصلاح ذلك – لكن إذا تآكل الجسم لاحقًا، لا يمكنك إصلاحه".
لذا، في حين أنَّ معرفة عمرنا البيولوجي الإجمالي مفيد، إذا أردنا أنْ نعيش حياة أطول وأكثر صحة، يجب أنْ ننتبه أيضًا إلى حقيقة أنَّ أجزاء الجسم ليست كلها متشابهة، فتقدير العمر البيولوجي لأي عضو بدقة ليس بالمهمة السهلة رغم وجود عددٍ كبيرٍ من المواقع الالكترونية التي تقدم "آلات حاسبة" للمساعدة في تقدير عمر الأعضاء المختلفة مثل القلب أو الرئتين، لكنَّ هذا بالحقيقة يتطلب فحصًا تفصيليًا دقيقاً لوظيفة كل عضو ومعرفة دقيقة ببنية الأنسجة والصحة الوراثية لتقييمها بدقة".
 
أعضاء أكثر جودة
وعوداً على عمليات زرع الأعضاء فقد تم اكتشاف بعض الأدلة المثيرة للاهتمام، فقد أشارت بيانات الزرع الى أنَّ بعض الأعضاء قد تتحسن حالتها مع تقدم العمر، بينما قد تتدهور الأخرى مع العمر، ووجد الباحثون الذين قارنوا عمر المتبرعين بعوامل معينة كالمدة التي عاشها المتلقي (الشخص الذي أجريت له عملية الزرع) بعد الجراحة واكتشفوا بأنَّ عمليات الزرع الشاملة ستكون أقل نجاحًا مع الأعضاء القديمة؛ أي إنْ كان المتبرع قد تجاوز الخمسين. لكنَّ الغريب أن بعض الأعضاء كانت أكثر جودة وقوة من بعضها، ما يشير إلى أنَّ بعض أجزاء الجسم تصمد بشكل أفضل مع تقدم العمر.
وقد تبين ايضاً أنَّ معدل نجاح علميات زرع القلب والبنكرياس ستسوء إنْ كان المتبرع قد تجاوز سن الأربعين، ولم يتمكن الباحثون حتى الآن من تحديد الاختلافات المرتبطة بالعمر في عمليات زرع الرئة فقد نجحت عمليات كثيرة من متبرعين كانوا قد تجاوزوا الـ65 عامًا. وقد أثبتت القرنية أنها العضو الأكثر مقاومة على الإطلاق، إذ يبدو أنَّ عمر المتبرع ليس  له أي تأثير في نجاح العملية.
وفي هذا المضمار يقول ريتشارد سيو، (مدير أبحاث الشيخوخة في كينغز كوليدج لندن) "خير مثال على ذلك هو الرئتان والتلوث" "فإنَّ العيش في المدينة أو في البيئات العالية التلوث سيقدم سن الرئتين".
ووفقًا لسيو، يمكن لأي عددٍ من عوامل نمط الحياة أنْ تؤثر في أنماط الشيخوخة المعقدة لدينا إذ يقول: "كل شيء يؤثر فينا, ماذا نأكل وكيف نأكل، وكيف ننام ومتى ننام - كل هذه الأشياء يمكن أنْ تؤثر في أعضائنا بطرق مختلفة لا نفهمها تمامًا".
 
4 أنواع من الشيخوخة
ففي شباط/ فبراير العام2020، حدد سنايدر ووينيو زو وسارة أهادي وزملاؤهم في جامعة ستانفورد ما لا يقل عن 87 جزيئًا وميكروبات موجودة داخل الجسم يمكن استخدامها كـ "مؤشرات حيوية" للشيخوخة من خلال فحص كيفية تحول هذه العلامات في مجموعة من المتطوعين على مدى عدة فحوصات ربع سنوية لمدة عامين، وجد الفريق أن الناس يشيخون عبر آليات بيولوجية مختلفة، كما وجدوا أنه بإمكانهم تصنيف الأفراد إلى "أنماط عمرية" مختلفة، من خلال تجميع المؤشرات الحيوية بناءً على العضو أو النظام الأكثر ارتباطًا به. فقد وجد الفريق دليلاً على أربعة أنواع مختلفة من الشيخوخة، بناءً على مسار الشيخوخة المهيمن - الكلى والكبد والتمثيل الغذائي والمناعة - لكنهم يعتقدون أن هناك أنواعًا أخرى، مثل الشيخوخة القلبية، موجودة أيضًا.  وقد تمكنوا ايضاً من تحديد النمط العمري للأشخاص، والذي يقول سنايدر إنه من المحتمل التوصل الى تحديد العوامل الوراثية والبيئية  المؤثرة في الشيخوخة قبل وقت طويل من بلوغهم سن الشيخوخة. وهذا يعني أنَّ المستقبل قد يوفر للشباب معرفة أي جانب من جوانب صحتهم يحتاجون للبحث عنه ورعايته أكثر مع تقدمهم في السن.
يشير النقاد إلى أننا لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت الأنماط العمرية التي حددها فريق ستانفورد في دراستهم القصيرة نسبيًا ستؤدي في الواقع إلى تغييرات فسيولوجية تؤثر سلبًا في الصحة على المدى الطويل أم لا؟
لكن سنايدر يؤكد أننا ندخل عصرًا من الأساليب الأكثر تخصصًا لتدخلات مكافحة الشيخوخة، ويضيف أخيراً بأنَّ "مكافحة الشيخوخة يعني أننا نملك أعضاءً سليمة حتى بعد الموت مما يجعل عملية التبرع بها وزرعها أكثر نجاحاً وسلامة".
 
تسجيل تلقائي
وسيسجَل جميع البالغين في إنكلترا تلقائياً كمتبرعين بالأعضاء ما لم يختاروا إلغاء هذا الخيار، بموجب قانون جديد من المقرر دخل حيز التنفيذ في (أيار) الفائت، بحسب تقرير لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية.
وتشير التقديرات إلى أنَّ القانون الجديد المعروف باسم "ماكس وكيرا"، سينجم عنه 700 عملية زرع أعضاء إضافية كل عام بحلول 2023 وتقليص قائمة تضم 5200 شخص ينتظرون إجراء جراحة لتغيير حياتهم.
وأنقذت كيرا بال، البالغة من العمر تسعة أعوام، أرواح أربعة أشخاص، بمن فيهم زميلها ماكس جونسون البالغ من العمر تسع سنوات، بعد أنْ سمح والدها للأطباء باستخدام أعضائها في عمليات زرع بعد وفاتها بحادث سيارة في العام 2017.
وسيُطلب من الأقارب إبداء الرأي حول التبرع بأعضاء المتوفى، وقد يلغي الأطباء عملية التبرع إذا اعترض الأقارب عليها، بغض النظر عن رغبة المتوفى.
وقال وزير الصحة مات هانكوك: "الكثير من الناس يفقدون حياتهم في انتظار عضو ما، وقد عقدت العزم على فعل ما بوسعي لزيادة معدلات التبرع بالأعضاء".
وتابع: "هذه خطوة مهمة إلى الأمام في جعل التبرع بالأعضاء أكثر سهولة ومتاحاً لأولئك الذين يحتاجون إليه ويمكن أن تساعد في إنقاذ مئات الأرواح كل عام".
وأضاف الوزير: "أحيي الحملات الشجاعة التي قامت بها عائلتا ماكس وكيرا، والتي أحدثت فرقاً كبيراً في هذه القضية".
وسيتم استبعاد الأطفال دون سن 18 عاماً من البرنامج، إلى جانب الأشخاص الذين عاشوا في إنكلترا لمدة تقل عن عام، وفقاً لوزارة الصحة والرعاية الاجتماعية.
وتعتبر الرئتان والقلب والكبد والكلى والبنكرياس والأعضاء المعوية والعظام والشرايين والأنسجة العصبية هي الأعضاء التي سينظر بصلاحيتها لعمليات الزرع الروتينيَّة.