موريس جار طبع إبداعه في ذاكرة العرب

الأربعاء 02 أيلول 2020 180

موريس جار طبع إبداعه في ذاكرة العرب

  سامر المشعل 

منْ منا لم يشاهد فيلم "الرسالة" لعدة مرات للمخرج المبدع مصطفى العقاد، الفيلم الذي أمسى القاسم المشترك لكل القنوات الفضائية العربية على اختلاف توجهاتها، لعرضه في المناسبات الدينية، على الرغم من مرور (44) عاماً على إنتاجه (1976)، لكنه ظل حاضراً في الذاكرة البصرية على مدى أجيال عديدة.

يعود الفضل في ظهور هذا الفيلم للمخرج العبقري مصطفى العقاد، الذي حين قرر دراسة الإخراج السينمائي في الولايات المتحدة الاميركية، لم يجد أبوه وسيلة لكبح طموحه، فاضطر لأن يرضخ لرغبته، ويمنحه قبل سفره مئتي دولار، هو كل ما يملك، وكتاب القرآن الكريم، كي يكون كلام الله مؤنساً له في غربته المجهولة.
 
التطرف يطيح بالاعتدال
وفي المقابل مصطفى العقاد، عندما نضجت تجربته الإخراجية، وبحكم مزاولته لمهنة الإخراج زار واطلع على العديد من البلدان وتعرف على ثقافاتهم. أراد أنْ يجسد رسالة والده ويرضيه كجزءٍ من رد الدين، في تقديم إنجاز سينمائي يخدم الإسلام ويظهره الى العالم كدين اعتدال ورحمة وعدالة اجتماعية وإنسانية، فأخرج فيلم "الرسالة" رغم اعتراض عددٍ من المراجع والمؤسسات الدينية، فتم تصويره في الصحراء الليبية وبتمويل مباشر من الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، فضلاً عن إخراج فيلم "أسد الصحراء" الذي يسرد مقارعة الزعيم الوطني عمر المختار لقوى الاحتلال الايطالي.
كان في نية المخرج مصطفى العقاد، أنْ يخرج فيلم "صلاح الدين الايوبي" وبعض الأعمال التاريخية الإسلامية، لكن يد التطرف الإسلامي من قبل عصابات القاعدة، لم تمهله تنفيذ أحلامه السينمائية، فأنهت حياته في أحد الأعمال الإرهابيَّة، عندما نزل بمصادفة سيئة في فندق "جراند حياة" في عمان هو وابنته ريما، فتم تفجير الفندق في العام 2005.
المفارقة التاريخية التي تدعو الى التأمل أنّ عبقري الإخراج مصطفى العقاد، الذي نذر حياته المهنية لإظهار رسالة الإسلام على أنه دين اعتدال وتسامح، يكون ضحية الإسلام السياسي المتطرف، فهل هذه مصادفة؟ أم حكمة قدرية؟.
 
موسيقى "الرسالة"
الحديث عن فيلم "الرسالة" يفضي بنا الى ولوج الموسيقى التصويرية لهذا الفيلم وتأمل إبداع مؤلفها الذي أنتج لنا تحفة فنية موسيقية أسهمت في نجاح الفيلم وشكلت جانباً مهماً من العناصر الإبداعية له باحترافية عالية.
الإبداع في التأليف الموسيقي لفيلم "الرسالة" جعل الموسيقى تصل إلينا من دون شعور وكأنها من بنية إيقاع جو الجزيرة العربية والحياة العربية قبل ألف وأربعمئة سنة، توحي بأنّ من وضع هذه الموسيقى هو متشبع بروحانيات الإسلام وعارف بالصحراء ومسكون بالتاريخ الإسلامي، لكن في حقيقة الامر إنَّ من وضع الموسيقى التصويرية للفيلم هو الموسيقار الفرنسي موريس جار، الذي اختاره المخرج مصطفى العقاد ليضع موسيقى فيلم "الرسالة"، المولود في مدينة ليون الفرنسية في العام 1924 لأسرة أصولها يهودية، وهو ابن الموسيقار اندريه جار، الذي غرس في نفسه حب الموسيقى.
هذه المفارقة تتضح مشاهدها عندما نعرف قوة الإبداع التي تتلبس روح هذا الموسيقار، الذي استطاع أنْ ينال ثلاث جوائز أوسكار وأربع جوائز "غولدن غلوب" وجائزتي "بافتا" وجائزة "غرامي".
ألف موسيقى ما يقرب من 200 فيلم سينمائي خلال مشواره الفني، وبعد أنْ منحه المخرج السير دايفيد لين، فرصة العمر في تأليف الموسيقى التصويرية لفيلم "لورنس العرب" أصبح موريس جار مطلوباً من قبل كبار المخرجين العالميين أمثال: الفرد هتشكوك وجون هيوستن ومصطفى العقاد وآخرين. أول فيلم وضع الموسيقى التصويرية له كان "فندق العاجزين" في العام 1952.
 
الموسيقى الصوفيَّة
كان الموسيقار موريس جار شغوفاً بالموسيقى الشرقية، وقد زار إيران ومصر والشام لعدة مرات قبل أنْ يؤلف الموسيقى التصويرية لفيلم "الرسالة"، هذا وقد اهتم العقاد بأنْ يجعله يطلع على الكثير من التراث الموسيقي لمدينته حلب، التي نشأ وتعلم فيها، وما تحتويه من موسيقى صوفية، الأمر الذي جعل الموسيقار موريس جار يتعمق في حيثيات الموسيقى الشرقية، ليس هذا فحسب، إنما كان يتجول في حارات وشوارع القاهرة ويسمع صوت الأذان بصوت محمد صديق المنشاوي ومحمد رفعة وآخرين.
استطاع أنْ يوظف خبرته وإبداعه الموسيقي بهذا الفيلم بحيث تأتينا الموسيقى ممهورة برائحة الصحراء نابضة بالحياة والتعبير العاطفي، لذلك كنا نسمع صوت الأذان على سلم مقام الحجاز، مع دقة توظيف الدفوف والإيقاعات بالاوركسترا، لا سيما أنَّ الموسيقار موريس جار بدأ حياته الموسيقية عازفاً على الدف.. تأتينا الموسيقى متهادية من عمق الصحراء وعلى إيقاع حوافر الخيل والابل وصليل السيوف.. تشتد حيناً وترتخي آخر لإظهار حالات الفرح والانتصار الروحي. فيها الكثير من الإشراقات الصوفية التي تدل على مقدرة الموسيقار موريس جار على استلهام ملحمة الدعوة الإسلاميَّة.
عاش موريس جار فترة من حياته في إيران، وقد أعجب بالموسيقار الإيراني نور علي الهي إعجاباً شديداً، ثم أعلن إسلامه وانتقل الى تركيا، وشغف بطرقها الصوفية.
 
النجاة من الموت والنسيان
ظلت جملة موريس جار الشهيرة "الموسيقى الجيدة يجب أنْ تقول ما لم تستطع الصورة قوله" عنواناً بارزاً لمنهج إبداعي يهتدي إليه المؤلفي الموسيقى.. يقول الكاتب بلال المازني في بحثه المعنون (موريس جار: ذو الألف أذن.. أشهر مؤلفي موسيقى الأفلام): "في الواقع أعطته الحياة فرصتين: الأولى فرصة النجاة من الموت، والثانية فرصة النجاة من غياهب النسيان، أي مرة حين قصف الاميركان محطة ليون الفرنسية سنة 1945، وحينها شاهد موريس جار قنابل تتجه نحو شرفة منزله، وخلال ثوان غطى رأسه لينجو من شظايا الزجاج المحطم". والثانية حين التحق بجامعة السوربون لدراسة الهندسة، لكن عشق الموسيقى حمله لأن يقطع دراسته ويلتحق بكونسرفاتوار باريس، ليدرس التأليف والتناغم الموسيقي، وذلك بعد حادث بسيط قلب حياة الفتى، حين قام أبوه بتشغيل اسطوانة للموسيقار فرانز ليست "قصيدة ملحمية" سمعها الشاب في حجرته مفتوناً ليترك بعدها دراسة الهندسة وينطلق في دراسة
الموسيقى".
 
لا يؤمن بالإلهام
لا يؤمن موريس جار أنَّ الإبداع يأتي عبر الإلهام، الذي يهبط على صاحبه قبل طلوع الفجر، إنما يؤمن بالبحث والدراسة والعمل والمثابرة.
عندما أسند إليه وضع الموسيقى التصويرية لفيلم "لورنس العرب" لم يُعط الوقت الكافي، وطلب منه المخرج دايفيد لين أنْ تكون الموسيقى جاهزة خلال ستة أسابيع فقط. يقول: "لم أكن أنام إلا عشرين دقيقة في اليوم، وبقيت عدة أيام من غير نوم"، حتى أثر عمله في هذا الفيلم في صحته وظل يتعالج لمدة عام كامل.
بذات الوقت هو يؤمن بقدراته الإبداعية، وقوة تأثير موسيقاه في نفوس المستمعين، بل تنبأ بخلود أعماله من خلال حديثه في إحدى المقابلات الصحفية، بأنه سيسكن في الذاكرة طويلاً بعد رحيله.
سافر موريس جار من فرنسا الى الولايات المتحدة الأميركية، ثم استقر في سويسرا قبل أنْ يعود الى لوس انجليس، حتى توفي فيها في 29 آذار من العام 2009 عن عمر ناهز 84 عاماً، بعد صرعه مرض السرطان.
أما عن أهم أعماله فقد وضع الموسيقى التصويرية لفيلم "لورنس العرب" الذي مثل بطولته الممثل المصري عمر الشريف، وحصل على جائزة الأوسكار العام 1962، وفيلم "دكتور زيفاغو" وحصل على الاوسكار في العام 1965، وفيلم "الطريق الى الهند" الذي حصل فيه على الاوسكار العام 1984.
أما عربياً فقد وضع بصمته الإبداعية في ذاكرة المستمعين العرب والمسلمين من تأليفه للموسيقى التصويرية لفيلم "الرسالة"، وفيلم "أسد الصحراء.. عمر المختار".
ويذكر أنَّ فيلم الرسالة بنسخته الانكليزية عندما عرض في أوروبا وأميركا، أسلم على إثره أكثر من عشرين ألف شخص، وهذا يدلُّ على عمق تأثير هذا الفيلم ووصول رسالة الدين الإسلامي بقيمه الإنسانية والاجتماعية الى العالم عبر الإبداع الفني السينمائي.
ولأهمية الموسيقار موريس جار وتقديراً لموهبته الثرة، ارتأينا أنْ نقدم هذه النبذة البسيطة عن حياته وتجربته الإبداعية المثيرة.