جبار رشيد.. بسمةُ القصائد وعذوبة العبارات

السبت 05 أيلول 2020 687

جبار رشيد..  بسمةُ القصائد وعذوبة العبارات
  ضياء الاسدي
 
رحيل الشاعر هو موت الوردة في بساتين الحرف، هو وداع آخر للعنادل التي أدمنت بوح الجمال في عذوبة العبارات، رحل جبار رشيد وهو يلوّح لأسراب العصافير محلفا إياها أن تبقى تستوطن وداعة النهر وتلوّن البلاد برخامة الأمل الذي طال، غادرنا رشيد ولم تستيقظ بعد هذا الغياب سوى ذكريات الشعر ودموع الأحبة التي ذرفت مآقي الفقد على خدّ الفجيعة، رحل سادن الصورة الشعرية الأمارة بالجمال أبدا، رحل من يلوي عنق المفردة الشعبية حتى (كزبر جلد المراية) من فرط جمال الحبيبة.
الشاعر الكبير ناظم السماوي الذي خرج للتو من فقد حبيبة عمره وشريكة الدمع زوجته رحمها الله، قال بصوت أجش إن "روح جبار رشيد لا تزال تحلق في ذاكرتي وتهطل على روحي ألما ومرارة حالما تناهى الى سمعي خبر رحيله، ذلك الموت الذي يتساقط من جيوبنا المثقوبة مادمنا نتعلق في ثوب البلاد"، مضيفا: "لا أستطيع أن أنسى في كل مرة التقيه فيها يقبل رأسي اكثر من قبلة، قبلة شاعر لشاعر تعني ان خيط المحبة لن يكون واهيا مهما تعددت الرزايا واستطالت التنهدات".
في حين يجهش الشاعر حمزة الحلفي وحيدا من عزلته بسبب الجائحة ان "ماهيَ سوى سفره نصعد بنفس القطار
وننزل بآخر محطة:
مسافرين بلايه كلشي
لا هدوم ولا هدايا
ورايحين بلايه جنطه
يتصاعد نشيجه قائلا: وانت لا تزال فوق الأرض قبل أن تدخل في جوفها" شسويت بيه (ابو أستيره) كما كنت اسميك
عمت عيني خويه وداعة الله جبرتنا، أنا لا أعزي برحليك إنما أتلقى العزاء".
بينما يهدّ حيلنا عامر عاصي، الشاعر الملبّد بالوجع والفجيعة حتى يقول نعيا:
الو.. جبار
حبيبي شيوجعك؟
الغياب؟
القصيدة؟
الضوه الدگ الباب؟
دمعات الجهال المرّو يجدّون؟
مبتسمين؟
ضحكهم طين؟
وانته تلِم سوالف، والرصيف كتاب
وانته تلم غَزَل
حَد شمع روحك ذاب
وگبل يا ما فِتِت،
والدرب كِلّه تراب
وگبل يا ما مِتِت،
والليل كلّه تراب
وگبل يا ما بچيت،
ونَشَّفِتْ تيزاب
وتضحَك،
من تِطِش ملحَك..
على جروح القصيدة
وتحضِن الغِيّاب ..
ألو ...
جبار ...
عرسك فات ..
زفَّة مستحي،
بحضن الهلاهل مات ..
ألو.. جبار..
ضم عمرك دراهم
خاف يعثر عيد
خاف الموت يرهم،
والحنين يهيد..
ألو.. جبار..
أخاف من المسافة،
النجف موش بعيد..
بس صوتك بعيد،
وما تُفِك الباب..
وين تريد؟
وين الگاك،
وانته كتاب..
كلما ينطفي الماي،
اشتهيك عتاب..
أخاف من المسافة،
النجف موش بعيد..
بس صوتك بعيد،
بعيد.....
ألو..
جبار..
وينك؟
تره حروفي گصار..
يالطولك مسافة،
من الثلج، للنار..
 
قلب ينزف
الشاعرة البهية فيان البغدادي تلوّح هي الأخرى الى روح الشاعر بكلمات مورقة بالشجن وتقول: "قلب ينزف الوجع والحزن، أتقدم إليكم بالمواساة في رحيل الشاعر جبار رشيد رحمه الله واسكنه فسيح جناته، أفنى ساعات يومه في تكريسها لخدمة الشعر والشعراء كان أهلاً ورمزاً ناصع البياض بروح أنيقة ومهذبة يسير بخطى ثابتة، منذ وقت قصير طرق باب الدردشة وقال لي: أتشرف بكِ لتحلي ضيفة على برنامجي الشعري وطلب مني إرسال منجزاتي له، لم أكن أعرفه عن قرب لمست الهدوء والاحترام في حديثه، خسارة كبيرة هي فقدك فلا شيء يبقى سوى وجهك والذكرى الطيبة للشاعر جبار رشيد".
الشاعر المرهف د.عارف الساعدي يشهر برقية شجن موجعة الى رفيق دربه في الوجع والذكريات قائلا: جبار رشيد صديقي من التسعينيات، إلا أننا نلتقي بين مدة ومدة، ولكن الغريب منذ أكثر من أسبوعين يتصل عليَّ يوميا ونلتقي بشكل شبه يومي في "كهوة وكتاب" وآخر ما أرسله لي هذا النص العذب الذي كتبه قبل أسبوعين، جبار رشيد رحيلك هذا سرق منا الكثير الكثير:
تعال اشاوريت الماي 
و خذت من روعته ورسمه 
 اشطاح امن السمه شلته
 وعينك فاضت ابسمه 
شماخذ من حجي النهران 
وتروينا شعر من تنطق بكلمة
شحطت بيك (العمارة) 
وطلعت ضحكتك نغمة
حجالي الشايف الفردوس
كال الحور مو أحلى حسب علمه
سألني الليل ذول منين 
الضوه اليم بابهم شسمه
الهوى اليم بيتهم شسمه 
الهوى اليتداور يغني 
ونسمة نصفك لنسمة 
الضحك ما ندري شكلة شلون 
وانت بكيفك ترسمه 
بالله شسولفت للغيم 
وخليته يحط وبجفك تلزمه 
هلك يدرون من بيدك طرف روحي صبح وشمة.
الشاعر محمد رحيمة الطائي يبلع ريق الغياب بوجع تكرر في روحه المثقلة بالرحيل، واصفا رفيق دربه أن "لا تسمع له الا صوت الحب ولاترى في ملامحه الا ابتسامة الاطفال البريئة، هكذا كان إنساناً قبل ان يكون شاعراً فذاً".
جبار رشيد ذلك المتوسم بالنقاء والذي يحتوي مشاعرك بجميل شعره بالرغم من الألم والآهات التي تملأ قلبه حتى وصل به الحال أن قال (وكلمن كمت ابوسه ابخده اطبع أوف).
هكذا عرفته منذ أكثر من عشرين عاماً وهو يكتب بحنية الأم الجنوبية وعنفوان الديوان، لم يستجب للضعف ولم يفكر ان يكون تاجراً او من ذوي المناصب، بل كان همه ان يكون رسولاً للمحبة وعنواناً للوفاء .. 
الموت الذي لا مفر منه جاء اليه بقدر مكتوب ليأخذه الى حيث الخلود، الرحمة والرضوان والمغفرة هذا ما نستطيع ان ندعو به لجبار رشيد.
 
لا .. جبار 
(كون تشوف) دمعي شلون ينزل حار
لا .. جبار
 (عفت كلشي) ومشيت وجم كلب محتار
منين الكه كلب يستوعب اللي صار 
لا .. جبار .... لا جبار
 
طيبة مفرطة
الشاعر البصري جواد الدراجي يستدرج العصافير الى حضيرة الذكريات ويوهب الراحل هذه المرثية أن "مابين عشقنا لنادي الطلبة ورحلتنا في عالم الشعر.. وما يجمعنا.. كانت الأمكنة بين بغداد والبصرة تباعدنا.. جبار إنسان موبوء بالطيبة المفرطة وشفاف بقدر غزله وعفة قوافيه.. يعرف عن العطاء.. كثيرا.. 
يحب العصافير.. ويحب الألوان حين تطرز ملابسه كانت الضحكة لا تفارق وجهه ولا قلبه الطيب... وكل ابناء منطقته تحبه.. لا يحب أن ينادوه بكلمة أستاذ بل يبتسم كعادته ويقول: قولو (خالو حته احبكم). 
طالما ساعد الكثير الكثير من الشعراء الشباب.. عاش الحرمان
وبقدر قلبه النظيف كان يحمل أخلاقا ندر أن يحملها مثله شاعر 
ترك الاهل.. والأخوات يلطمن مثل بغداده التي حلمت بليلة بيضاء.. وبقي ميثم الطفيلي وكاظم جوية وآخرون بدموع لحظة الوداع والكل يعرف أنه يصعب تعويض مكانه كشاعر.. وأختم دموع حروفي بيتين نزلا قبل الولادة في.. محاجري
 
شيفيد النعي وشيعوض الراح
مثل جبار.. ما مرت خساره
عفاها گلوبنا تودع محبين
وبعد بدموعنا التنزل جساره.
الإعلامي والشاعر علاء الماجد يشتبك مع جسامة الفقد بذكرى تطرز حروفه المثقلة بالبكاء قائلا: "لم أتعود رثاء من أحب .. لكنني بكيتك بمرارة .. كيف يمكنني تصديق الخبر.. ولكن الفضلي أكد لي الخبر، الفاجعة، لقد رحل جبار رشيد، هل هذا جثمانك الذي تحمله قلوب اصدقاؤك، هل هذه يداك اللتان تلوحان لنا بالوداع، وصوت قصائدك التي توصينا بوطن جريح في زمن صعب.. رحلت عنا جسدا يا جبار فالشاعر لايموت، سوى أنك تلتحق بركب الكبار، عريان وكاظم والشباني والسماوي والركابي. . جبار أيها الدافئ المتواضع في الحياة، القوي الجريء في القصيدة والمفردة والموقف. لقد أورثنا "صوت الشمس" مجموعتك الشعرية وفيها ومنها مايشعل الوجدان ويمنح النفس قداسة الحياة "خذني يمك" و "الدنيا مو دنية عشق" و "كون تشوف" .. اليوم تحزن بغداد من اعماقها، اذ لم تتوقع هذا الغياب المبكر وستظل شوارعها وحاراتها تردد معك: 
خذني يمك,, بعد ماضل كل عذر,, لاتعتذر
ليل عمري وعمرك ,, مخلص,, بعد مابي صبر,,
خل نلــم احلامنه ونحفظ صورهن,,
كبل لاياخذهن بدربه الفجر...
الشاعر جليل صبيح طبع صورة أم جبار على جبين الرحيل مستذكرا نواعيها التي لن تخمد هذه المرة قائلا:
يبدو أننا أدمنا فراق الأحبة وصرنا نتحصن بالتعايش السلمي الودود مع تجدد الأحزان، ومابين ترقب شفاء جرح لاخر ليس سوى حسرات ألم مستديم مزمن، مثل جبار رشيد لا يموت ويبقى خالدا بمنجزه وقصائده وبرامجه الإذاعية التي مدت جسور تواصل قوية مع الجمهور العام، وزرع بذرة محبة سقاها بندى مشاعره الجياشة التي وزعت الحب لكل أهلنا بين آخر جبل في زاخو حتى آخر زورق عشاري بصري، له جنان الخلد ولأمه وأسرته أعانهم الله جميل الصبر".