المعنى الشعبي بلغة فصحى

السبت 12 أيلول 2020 137

المعنى الشعبي بلغة فصحى
 محمد اسماعيل
 
كتب الشاعر الغنائي الشعبي محمد المحاويلي، قصيدة فصحى بعنوان: «لا تقلق» مستوفية البناء الشكلي والمعنوي، بشقيه العروضي والتعبيري.
جاء في نص القصيدة:
«اني في محرابك ابكي
واصلّي مليون صلاة.
...  ياولدي
انك تمشي فوق الارض..
وجذورك تنبت بين الناس
يانسّاج الزمن الآتي
افرحني بوحك
ابكاني
إني احتاجك ان تسمو
 بين ثنايا
 اللامعقول..
حرفك مجذاف للبحر
وظلالك تسبح فوق الموج
لاتقلق فالصمت كتابه..
سبحانك ياربي دعني
 امنح ولدي سيفا وكفى...
 في زمن الغفلة والفاقه
ان الشمس طريق واحد
 والف طريق للظلمات
صدّقني قلبي لايقلق
مادمت تسير بلا خوف...لا تخش جهلا وجناة
ياولدي ..
مذ كانت بغداد منارا..
بيروت.. حنان وامان
مذ خلقت تعلو جبهتها.. ترفض ان تهجى وتهان..
ما احترقت يوما واحدةً... الا وعلا الاخرى دخان
بغداد وبيروت جنائن.. خلقا
كي يحيا الانسان
التحول مؤقتا من الشعبي الى الفصحى، لدى المحاويلي، يثبت أن الشاعرية لا تنفصم عراها، متمفصلة بين شعبي وفصيح، إنما التفاوت هو بين شعر جيد وشعر فصيح، بدليل أن هذا النص.. لشاعر شعبي.. غنائي، ينافس شعراء القصيدة الفصحى، ويتقدم على كثيرين من محترفيها.
الغرض شعبي، وهو مناجاة أبٍ لابنه، في قضية قومية ووطنية، تجمع بغداد وبيروت، في مأساة واحدة.. الموضوع شعبي، لكن صياغته جاءت باللغة العربية الفصحى.
الغرض الشعبي والشكل الفصيح، تفوق فيه المحاويلي، ذاهبا الى مديات جمالية متقدمة البناء، بدءا من المفارقة السياقية في «يا ولدي إنك تمشي فوق الارض» التي تنضح بالفكرة القرآنية الكريمة «فلذات أكبادنا» من دون أن تصرح بها، مواصلا: «وجذورك تنبت بين الناس» والمسافات البينية.. فيزيائيا، ليست مساحات من أديم 
أي شيء قابل للإستنبات، بينما تشهد القصيدة نداءً مستقبليا: «يا نساج الزمن الآتي» فضلا عن المحمول الاسطوري، بالإحالة على البطل اليوناني «أخيل» 
في إحجامه عن المشاركة في حرب «طروادة» بإدعاء الجنون حارثا البحر لزراعته: «حروفك مجذاف للبحر.. وظلالك تسبح فوق الموج» بالغا قمة التألق، بالقول: «لا تقلق فالصمت كتابة» مستعيرا فكرة «بيت القصيدة» من عمود الشعر الذي فنده ابو تمام.
أما «إن الشمس طريق واحد.. وألف طريق للظلمات» فقصيدة متكاملة بحد ذاتها.. بلاغة تذكر بحكمة الإمام علي.. عليه السلام: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه».
تداعيات الحداثة، تصدم القارئ بالتحول الى محمول مستهلك، وهو التعبئة الوطنية.. القومية، لمعاناة بغداد وبيروت.
كل تلك الانثيالات أفاد بها الشاعر الغنائي محمد المحاويلي، من الروح الشعبي الذي نظمه فصيحا، في قصيدة «لا تقلق» عائدا الى عقلية الشاعر الشعبي.. حاملا رسالات القضايا المباشرة، التي تخطتها القصيدة الفصحى، وباتت التفاتة الى مرحلة عبرتها المخيلة الشعرية، من دون تفريط بقوة الجمع بين قطبي الفصحى والأغنية الشعبية.