الخروج من الأزمة

السبت 12 أيلول 2020 262

الخروج من الأزمة
نهى الصراف
 
لا يمتلك الكثير من الناس المقدرة على الصمود في مواجهة المواقف الصعبة أو التعافي منها بعد مرور وقتٍ على انقضائها، مهما كان حجم هذه المواقف وشدّتها. في الظروف الشخصيَّة العصيبة قلّما تصمد الروح البشريَّة الحساسة في الاختبارات العاطفية القاسية، سواء أكان الخصم شاخصاً أو متوارياً خلف المسببات، ولعلَّ الموت هو الخصم الأكثر شراسة الذي لا يترك لصاحب المصاب أي خيار سوى الاستسلام والانهيار الكامل. مع ذلك، يتسنى لبعض الناس الخروج من المحنة بأقل الخسائر، والسبب يعتمد إلى حدٍ كبير على مدى مرونتهم في التأقلم مع الواقع الجديد أو الظروف المتغيرة والطريقة الذكية التي يحاولون بها إعادة تنظيم حياتهم وتوازنهم لتتناسب مع هذا الواقع، أو للخروج منه والعودة إلى حياتهم السابقة قبل أنْ تمرَّ عليها ظلال الأزمة.
يحدث الأمرُ ذاته في الأزمات الكبيرة والكوارث التي تصيب مجتمعات بأكملها؛ حروب، كوارث طبيعيَّة، مجاعات، أمراض أو أوبئة، إذ تصبح المحنة هماً عاماً تشترك فيه مجموعات بشرية كبيرة قد تصل إلى مدن أو دول بأكملها وربما تكون أكبر من ذلك بكثير.
هكذا، كانت ردود أفعال الناس متباينة في ما يتعلق بالظروف النفسيَّة القاهرة التي تسبب فيها وباء كورونا؛ تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخطيرة كانت ألقت بحملها الثقيل على أرواح الناس في شتى أرجاء العالم، لكنَّ طريقة التعامل مع هذا الحمل تباينت بين مكان وآخر وبين دولة وأخرى، بين أسرة وأخرى، بل ظهر هذا التباين جلياً حتى بين أفراد الأسرة الواحدة؛ بعضهم أخذ يبث الأفكار السلبيَّة كجرعات متتالية أصابته ومن معه بمضاعفات نفسية مزعجة، هناك فئة معينة التزمت الصمت وتوقف تفاعلها مع تفاصيل الحياة اليومية وأولئك الذين واجهوا عجزاً نفسياً في التعامل مع المواقف المخيفة وغير المعروفة سابقاً، بعضهم الآخر كان مثالاً للإيجابيَّة والمرونة في التعامل مع الواقع الجديد الذي فرضه علينا خطر انتشار الفيروس، بينما تمتع آخرون بروح التفاؤل الحذر، وهؤلاء بالذات الذين تأقلموا جيداً كانوا أشخاصاً فاعلين في مجتمعاتهم، إذ عملوا في خطوط المواجهة الأولى للتصدي لخطر الوباء؛ عاملون في المجال الصحي، الملاكات التدريسية، أصحاب محال المواد الغذائية، سائقو خطوط المواصلات العامة، عمال الخدمات والعديد غيرهم من أصحاب المهن التي لا يمكن أنْ تتوقف عجلتها طالما احتاجتها حياة الناس اليومية لتسير على وتيرتها المعتادة، وهكذا كانت الأمهات ومعهم الآباء صمام أمان الأسرة في محاولاتهم المستميتة لحماية أبنائهم وتوفير مستلزمات المعيشة في أصعب الظروف سواء أكانت الصحية منها أم المادية.
كل هؤلاء كانوا الوجه الباسم المطمئن، وسط موجات الخوف والقلق وفوضى المشاعر التي تسبب بها تفشي الوباء في صورته الأولى المفاجئة.
أظهرت بعض الدراسات النفسية الحديثة بأنَّ المرونة بما فيها القدرة على التأقلم مع الواقع الجديد وإعادة صياغته، قد تكون موروثة ترافق الإنسان منذ بداياته، إلا أنَّ هذا لا يمنع من أنْ يكون لتجارب الطفولة العامل المحرّك لقدرة الإنسان على الصمود في المواقف العصيبة، خاصة أولئك الذين عانوا في طفولتهم من صدمات نفسية شديدة بسبب الحروب أو الفقر، علاوة على ذلك فإنَّ هناك من هم على استعداد أكثر من غيرهم للانفتاح على التجارب الجديدة أياً كانت طبيعتها بوصفها نوعاً من المغامرة، ومن الناس أيضاً من هو معتاد على أنْ يستمد قوته ورغبته في الاستمرار من خلال معايشة المصاعب والشدائد، فهي تعمل كالتمرينات الرياضية الشاقة التي تقوّي عضلات الجسم، ومثلها الشدائد تعمل على تمتين مناعة الأفراد النفسيَّة.
إلى ذلك، تؤكد نظرية المرونة 
على أنَّ طبيعة الشدائد أو المواقف الصعبة ليست هي الأهم، بل إنَّ طريقتنا في التعامل معها هي المهمة. هكذا يقول الكاتب السويسري- الألماني هرمان هيسه: «كنت أؤمن وما زلت أؤمن بأنَّ أي حظ جيد أو عاثر يصادفنا في الحياة بإمكاننا منحه معنى حقيقياً وتحويله الى شيء ذي قيمة».