بناء الدولة في العراق - 2 -

الاثنين 14 أيلول 2020 176

بناء الدولة  في العراق - 2 -

ابراهيم العبادي 
 
إذا سلمنا بان مخاضات سبعة عشر عاما لم تكن كافية لدفع العراقيين نحو الاجماع على مشروع بناء الدولة، فان ما ينكشف خلف هذه المسلمة هو اختلاف  الرأي لدى النخب العراقية بشأن المشروع - النموذج الذي ينبغي تبنيه لإعادة بناء الدولة في العراق .
يتمظهر هذا الانقسام بوضوح في المتبنيات الفكرية - السياسية التي تعبر عنها هذه النخب، وتبعا لها الجمهور الحزبي، مع الاقرار بأن غالبية شعبية عراقية لا تجد نفسها معنية بهذا الصراع الايديولوجي، وانها تنتظر وتتوقع ان تجني ثمار استقرار الدولة القوية الفعالة وليست معنية بتنظيرات المنظرين ولا بشعارات الحزبيين، لكن بما ان هذه الدولة العتيدة لم تر النور حتى الساعة، وان نموذج الدولة الذي قام بعد عام 2003 بلا مستقبل نتيجة عيوب تأسيسية خطيرة وتجربة سياسية بلا انجاز ولا فاعلية ملموسة.. لذلك تتوجه الانظار الى صيغ ونماذج يُظن انها قد تكون البديل المناسب .
كرديا لا اعرف دعوة لإعادة بناء النظام السياسي وتغيير الصيغة التي قامت عليها الدولة بعد 2003، اصرح من الدعوة التي اطلقها الدكتور برهم صالح عام 2014 في محاضرة له في منتدى الدكتور بحر العلوم، بعدها يبدو ان الواقعية السياسية ومتغيرات الاوضاع الحزبية والسياسية لم تدفع السياسي برهم صالح لمتابعة الدعوة الى العقد السياسي الجديد ربما ادراكا من صالح وعموم الكرد ان دستور عام 2005 حقق وثيقة خدمت مصالح الكرد في العراق الفيدرالي ما لن تأتي به اي وثيقة دستورية جديدة، وبقي الكرد يتعاملون مع بغداد من منطلق خذ ما تستطيع واشتكِ بصوت عال والقِ تبعة الخلل في اداء منظومة الدولة على عاتق عدم التطبيق الحرفي للدستور وامتناع الاخرين (الشيعة) عن العمل بمنطق الشراكة التي وضع لها الكرد معاييرهم الخاصة وليس معايير الدولة الاتحادية كما في العالم اجمع .
سنيا اقتصرت الدعوات السياسية على نقد الواقع والعملية السياسية والدستور والالحاح الاعلامي والسياسي على قضيتي التوازن الوطني وتوسيع مشاركة السنة في النظام والمؤسسات ومراكز صنع السياسات والدعوة المستمرة لتحصيل الامتيازات، والتظلم المتواصل من الاخطاء العسكرية والممارسات الامنية والتعريض الصريح بوقوع شيعة السلطة تحت النفوذ الايراني، فضلا عن التذكير الدائم بالسيادة المنقوصة والتركيز على الدولة العادلة بما يشي بمظلومية سنية متواصلة منذ التغيير، لكن الدعوات السنية لم ترتق الى تقديم نموذج او مشروع لبناء الدولة يتجاوز اخطاء وعثرات النموذج القائم، انما لتعديله وتصحيحه بالممارسة السياسية المبنية على احترام الشراكات والتوازنات الوطنية ! .
لسان حال الشريكين الكردي والسني يقول (سرا) ان هذا النظام القائم لن يستمر طويلا وانه سيصل الى محطته الاخيرة اما بثورة مسلحة او احتجاجات عنيفة او انفجارات اجتماعية وعليهم النأي بالنفس وترسيم ستراتيجيات دراسة وتقدير المخاطر ورسم سيناريوهات محتملة لتحصيل اكبر قدر من المكاسب والشروط التفاوضية .
أعطت احتجاجات تشرين الاول عام 2019، مؤشرا على ان شركاء العملية السياسية من الكرد والسنة ينتظرون ماذا سيسفر عنه الحراك الاجتماعي - السياسي (الشيعي) وكيف ستدير (الطبقة السياسية الشيعية) معركتها مع هذه الاحتجاجات وما ينتج عنها من اشتراطات وعوامل دفع باتجاه تغيير المسارات الراهنة للدولة.
كان لوقوف المرجعية العليا الى جانب الاحتجاج السلمي المنضبط ودعوتها للإصلاح واعادة بناء النظام السياسي على اسس دستورية سليمة، اوضح ملاحظة من جهة روحية عليا، على ان النظام السياسي لم يعد قادرا على الاداء، وان لحظة تصحيحه وتغييره قد حانت، لتكون المخرج الوحيد من حالة الفشل والفساد وسوء الاداء والتفكير والتخطيط، وقد وضعت المرجعية خطوات التصحيح بطريقة مقبولة للجميع، تضمن شرعية دستورية للخطوات والاجراءات التصحيحية، اي انها لم تقبل بأعمال عنيفة او ثورية او انقلابية، انما عبر الانتخابات المبكرة والنزيهة والنظام الانتخابي الذي يضمن مشاركة جماهيرية واسعة، وتغيير جدي وحقيقي للطبقة السياسية يأتي عبر صناديق الاقتراع، ليمكن بعدها تنقيح الدستور ومعالجة مشكلات الفساد والمحاصصات والطائفية السياسية وهيمنة الاقطاعيات الحزبية المسلحة على مفاصل الدولة .
كان هذا مشروع المرجعية العليا الذي ظن الكثيرون ان ضغط الشارع من جهة، وقلق قوى السلطة من جهة اخرى، سيقودان الى القبول به جديا، ولا يجد الكرد والسنة غضاضة من القبول به ايضا، طالما ان الشريك الاكبر او الفاعل السياسي الشيعي سيستجيب له، لكن بمرور الوقت وبالمراهنة على انتهاء زخم الاحتجاج الوطني، وتشتيت معركة الاصلاح بتوجيهها ايديولوجيا، (اسلاميون متشددون في مقابل علمانيين متطرفين)، والتعامل معها وفق منظور أمني، واستثمار دخول اجندات سياسية وشعارات مقصودة او غير مقصودة شوهت مطالب الاصلاح، انتهينا الى فوات فرصة كبيرة لإصلاح النظام السياسي، وبقي التعويل على هامش محدود وأمل ضعيف بأن تسمح الانتخابات المبكرة بتظهير تفكير وجيل سياسي جديد في اوساط الشيعة اكثر عمقا واقل ادلجة، يستطيع التفاهم مع شركائه في الوطن، باتجاه ترسيم نظام دولة قادرة على مواجهة استحقاقات قاسية وخطيرة مالية واقتصادية وامنية وسياسية  .
عودة اليأس الى نفوس الناس بسبب الاعيب حزبية تريد صياغة القانون الانتخابي وتصميم الدوائر الانتخابية على مقاسات الاحزاب والتيارات الحاكمة، سيطيح بالآمال التي بقيت تراهن على الانتخابات المبكرة كمخرج وحيد من حالة الانسداد تُحدث تغييرا في مسار الدولة، وقد تفسر قوى السلطة ذلك نجاحا لها بالنجاة من بطش الانفعال والاحتجاج الاجتماعي، لكنها ان لم تقرأ الامور بوعي عميق ستخسر كثيرا على مدى ليس بعيدا، وستتحمل مسؤولية الانهيار القادم، فهذا النظام لن يقوى على مواجهة المشكلات المعقدة، وبخسارة التفويض والرضا والثقة الاجتماعية سيسقط حال انفجار هذه المشكلات دفعة واحدة، وهذا ما لا يريده وطني او اسلامي  غيور، كما ليس عدلا ان يتحمل كل الشيعة مسؤولية هذا الفشل لان بعض قواهم التي هيمنت وانتفعت من السلطة تقاوم الاصلاح وتقف بوجه التغيير لخفة وعي ولضخامة تفكير شعبوي مؤدلج.
بقي ان نشير الى ان عدم الاتفاق على مشروع  لإعادة بناء الدولة والنظام يستدعي النظر الى المشاريع الاخرى المقدمة من شخصيات وقوى شيعية عديدة، وهذا ما سنستأنف الحديث به في الفرصة القادمة.