تعقيب!

الثلاثاء 15 أيلول 2020 83

تعقيب!

جواد علي كسار

 
أقرأ باهتمام ما يكتبه الباحث الصديق علاء حميد إدريس على قلته بل ندرته، من ذلك موضوعه «النهضة ومعوّقاتها» (الصباح، الاثنين 7 أيلول 2020م). ينطلق الموضوع من ربط التقدّم بالوطنية، وان التفكير بالنهضة اقترن في العالم العربي بالدولة الوطنية ونهاية الاستعمار.
شخصياً اختلف مع هذا التصوّر، لأنه يتمركز حول مفهوم دائري مغلق للتقدّم، يبدأ بالغرب وينتهي بالغرب، ولستُ أفعل ذلك من وهم نفي تقدّم الغرب، فالغرب متقدّم وهذه حقيقة لا يُسترابُ بها، إنما أفعله من واقع إثبات تقدّم الآخرين إلى جوار تقدّم الغربيين، لاسيّما في آسيا مع اليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند وماليزيا وسنغافورة، ثمّ إيران وتركيا واندونيسيا وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى.
لقد أثبتت تجارب هذه البلدان وبالتفاوت الموجود بينها بدرجات التقدّم ومراحله، أن التقدّم يتحرّك على نحو خطى وبنماذج متعدّدة، لأنه تعبير عن مفهوم اجتماعي تأريخي، حتى يمكننا القول بأن لكلّ امة حظّها من التقدّم. وهذا هو المغزى العميق الذي أدركناه باكراً في كتابات محمد باقر الصدر وفؤاد زكريا وحسن حنفي وعبد الوهاب المسيري وسمير أمين وغيرهم كثير، ممن تناول مركّب التخلف والتقدّم في العالم العربي والإسلامي، بل مجمل الرقعة الموسومة بالعالم الثالث، آخذاً بتجارب مهمّة كالبرازيل في أميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا في أفريقيا وهكذا.
ورغم ما في كتابات هذه الذوات من إبداعات، تبقى تجربة فهمي جدعان متميّزة، في كتابه: «أسس التقدّم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث». فمنجز جدعان في هذا الكتاب الضخم لا يقتصر على إثبات وجود أكثر من معادلة للتقدّم، إلى جوار معادلة التقدّم الغربي، بل يتجاوز ذلك إلى قراءة مشاريع للتقدّم شهدها العالم العربي بدءاً من القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، ما يعني أن التفكير بالتقدّم وصياغة مشاريعه، أمر قد عرفه العالم العربي بأسسه الأربعة (الأساس العقيدي، والاجتماعي الضارب في الاقتصاد، والأخلاقي، وأخيراً الأساس السياسي) قبل مئة سنة على الأقل من بدايات الدولة الوطنية وعصر التحرّر من الاستعمار.
لقد رصد جدعان مسارات أربعة لحركة التقدّم في العالم العربي منذ أكثر من مئتي سنة، من خلال متابعة هذه المسارات عبر الحركة الاجتماعية والتاريخية، والتركيز على جهود تغيير الذات وبناء الشخصية، والتشديد على التنمية الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، مضافاً إلى التقدّم السياسي نفسه.
من المشاريع التي عرضها دليلاً على حيوية التقدّم، هي القراءة التي قدّمها لجهود عبد الغني النابلسي (1641 - 1731م) وحسن العطار (1766 - 1835م)، ورفاعة الطهطاوي (1801 - 1873م) ومحمد قبادو التونسي (1813 - 1861م) وخير الدين التونسي (1819 - 1890م).
لقد سبقت هذه المشاريع وغيرها كثير، عصر الدولة الوطنية والتحرّر من الاستعمار، ما يدلل وجود معادلة وطنية للتقدّم خاصة بكل بلد، ترتسم معالمها من خلال حركته الاجتماعية والتأريخية، وان التقدّم الغربي لا يمثل بالضرورة معادلة التقدّم للعالم أجمع.