«الهكرز» يتلاعبون بأرقام فيروس كورونا

الثلاثاء 15 أيلول 2020 93

«الهكرز» يتلاعبون بأرقام فيروس كورونا
بروس شنير - مارغريت بورديو
ترجمة: شيماء ميران
 
 
 
 
تمتلك أجهزة الاستخبارات تاريخاً طويلاً في التلاعب بالمعلومات الخاصة بالمشكلات الصحية، والوباء ‏خصوصاً يكون مغرياً لهكذا تدخل، فلماذا لا نتهيأ بصورة أفضل؟.‏ يتسابق العالم اليوم من أجل احتواء فيروس كورونا الجديد الذي انتشر حول العالم بسرعة مفزعة. ويقوم ‏حالياً خبراء الامراض الوبائية في منظمة الصحة العالمية (‏WHO‏) والمراكز الاميركية للسيطرة على ‏الأمراض والوقاية منها (‏CDC‏) بجمع المعلومات لمعرفة كيف وأين ينتشر الفيروس، لذلك يستخدمون ‏انواعاً مختلفة من أنظمة المراقبة والاتصالات الرقمية. لكنَّ هذه الانظمة معرضة بشدة للقرصنة والتدخل ‏كما هي حال الكثير من النُظم الطبية.‏ ينبغي أنْ نقلق جداً من هذا الضعف الامني. فقد كانت الحكومات ووكالات الاستخبارات ولفترة طويلة ‏حريصة في تداولها للمعلومات الصحية سواء داخل بلدانهم أو خارجها، لمنع حالة الذعر الكبيرة وتفادي ‏الإضرار بأوضاعها الاقتصادية أو لتجنب الاستياء العام، أو في حال ارتكب المسؤولون اخطاءً في احتواء ‏تفشي المرض مثلاً. وقد تستخدم الدول من التضليل وسيلة لتقويض أعدائها أو تعطيل تحالف بين دول أخرى. كما أنَّ تفشي أي وباء مفاجئ يجعل الأمر مغرياً للتدخل، خصوصاً عندما تكافح البلدان من أجل ‏السيطرة على تفشيه وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ‏
 
حملات التضليل
هكذا تدخل يجري فعلا في حالة فيروس كورونا، ولا يجب ان تكون هذه الحقيقة مفاجئة، فالدول المعادية ‏للغرب لها باع طويل في التلاعب بالمعلومات بشأن الموضوعات الصحية لبث الشك والريبة، فمثلا قام ‏الاتحاد السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي بنشر معلومة مزيفة حول قيام اميركا بتعديل فيروس نقص ‏المناعة ‏HIV‏ لقتل الافارقة الاميركان. وكان لهذه الحملة فاعلية بعد مرور عشرين عاماً على حملة التضليل ‏السوفييتية الاصلية، إذ وجد استطلاع اُجري عام 2005 ان 48‏ ‎بالمئة من الافارقة الاميركان يعتقدون ان ‏فيروس HIV‏ كان مُصنّعاً مختبرياً، في حين ‏‎15‎ بالمئة منهم اعتقدوا بانها كانت وسيلة لإبادة جماعية ‏استهدفت مجتمعاتهم.‏
وفي العام ‏‎2018‎، استخدمت روسيا مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك في حملة تضليل ‏واسعة لتضخيم حركة مكافحة التطعيم. وأكد الباحثون أنَّ ‎المتصيدين والبوتات الروس غردوا تغريدات ‏لمكافحة التطعيم اكثر بـ 22 مرة من متوسط معدل المستخدمين. ووجد باحثون آخرون أنَّ التعرّض لهذه ‏الرسائل خفضَّ بشكل كبير من تلقي اللقاح، معرضاً حياة الأشخاص والصحة العامة للخطر.‏ كما أتهم مسؤولون اميركيون مؤخرا روسيا بنشر معلومات مضللة حول فيروس كورونا في حملة منسقة ‏اخرى بدأت تقريبا منتصف كانون الثاني الماضي، عندما بدأت آلاف الحسابات في تويتر وفيسبوك ‏وانستغرام والكثير منها لها ارتباط مسبق بروسيا في نشر رسائل متطابقة تقريبا بعدة لغات منها الانكليزية ‏والفرنسية والالمانية وغيرها تلقي اللوم على أميركا في تفشي الفيروس، وادعت بعضها ان هذا الفيروس هو ‏جزء من الجهود الاميركية في شن حربها الاقتصادية على الصين، واخرى تقول انه سلاح بيولوجي ‏صممته وكالة الاستخبارات الاميركية ‏CIA‏.‏
 
نقاط الضعف
إن مكامن الضعف المحتملة في هذه الانظمة كثيرة، منها استغلال الهكرز للاخطاء الموجودة في ‏البرمجيات، والدخول غير المصرح به لخوادم المختبر عن طريق مسارات اخرى، او عن طريق التطفل ‏على الاتصالات الرقمية بين المختبرات ومراكز السيطرة والوقاية. وما يثير القلق بشكل خاص وصول ‏البرمجيات المعنية بتعقب المرض احيانا الى السجلات الالكترونية الطبية، لأنَّ هذه السجلات غالباً ما ‏تكون مدمجة مع شبكة من الأجهزة الرقمية لعيادة أو مستشفى. وما أنْ يُربط أحد هذه الاجهزة الى شبكة ‏مستشفى معينة فيمكن نظرياً أنْ يُستخدم في اختراق قاعدة بيانات فيروس كورونا بالكامل في مراكز ‏السيطرة والوقاية.‏
 
اختراق البيانات
كما اظهرت دراسة اخرى معنية بالحالات الصحية العامة الطارئة بأن مبادرة حيوية للأمن البيولوجي في ‏اميركا، وهي برنامج بايو ووتش (‏BioWatch‏) لوزارة الامن الداخلي الاميركي، ظل عرضة للقرصنة ‏الالكترونية طوال عقد من الزمن. ويراقب هذا البرنامج اكثر من ثلاثين ولاية اميركية ويسمح لمسؤولي ‏الصحة باكتشاف الهجوم باستخدام سلاح بايولوجي بسرعة. وعن طريق اختراق هذا البرنامج يمكن إخفاء ‏الهجوم او خداع السلطات وجعلهم يعتقدون بحدوث احدها.‏ لحسن الحظ، لم تظهر ولا حالة صحية خُربت من قبل وكالات الاستخبارات او الهكرز، اقربها كانت ‏سلسلة هجمات ابتزاز اموال من المستشفيات، تسببت بخروقات لبيانات مهمة وإعاقة في الخدمات الطبية. ‏واخترق الروس مراراً شبكة الكهرباء الاوكرانية الوطنية، واستطلعت محطات توليد الطاقة الكهربائية ‏الاميركية وشبكة بنيتها التحتية ايضا. وبرغم من هذه السوابق والمخاطر المؤكدة، الا انه لم يُجر اي تقييم مفصل لضعف انظمة المراقبة ‏الصحية الاميركية وتعرضها للاختراق والتلاعب. ينبغي على اميركا ومدراء الصحة العامة العالمية وهم يواجهون وباءً عالميا ألا يضيعوا اي ‏وقت في فرض وتعزيز أمن انظمة الصحة الرقمية للبلاد، كما لهم دور مهم ايضا خارج البلاد بشأن الامن ‏الالكتروني. إن جعل البنية الصحية الاميركية آمنة يتطلب إعادة توجيه جوهري للامن الالكتروني بعيدا ‏عن الهجوم الى الدفاع.