زائير.. رائدة النقال الأفريقي

الأربعاء 16 أيلول 2020 102

زائير.. رائدة النقال الأفريقي
 نيك دال
  ترجمة: بهاء سلمان
خلال زيارة رسمية الى الولايات المتحدة، تم اعطاء الرئيس الزائيري موبوتو سيسي سيكو هاتفا نقالا من نوع (موتورلا) وحثه على الاتصال بالوطن. كان ذلك سنة 1985، ومن ثم تطلب اقناع الرئيس أن جهاز الاتصال، الذي كان يزن بقدر زجاجة مليئة يتوسطه هوائي قابل للسحب، ليس جهاز اتصال لاسلكي. لكن بمجرّد تحدثه مع العائلة في كينشاسا، لم يحتاج الى مزيد من وسائل الاقناع. هذا كان جزءا من خطة وضعها جوزيف غات ومايك روايتير.
طبقة مترفة
سرعان ما حظت شركة تيليسيل، التي أسسها الرجلان رسميا بعد سنة، بثلاثة آلاف مشترك في دولة زائير، التي تدعى حاليا الكونغو الديمقراطية، وذلك قبل فترة طويلة من انتشار الهواتف النقالة في أميركا على نطاق واسع. وكانت البنية التحتية شبه المتهالكة لخط الاتصالات الزائيري قد أفضت الى استعداد نخبة البلاد لدفع خمسة آلاف دولار مقابل شراء جهاز الهاتف النقال، وما يصل الى 16 دولار لكل دقيقة اتصال مقابل البقاء في الخدمة. تقول ميشيلا رونج، مؤلفة كتاب “على خطى السيد كورتز”، والصحفية المستقلة لدى وكالة رويترز في كينشاسا بداية عقد التسعينيات: “كان لدي أحد تلك الهواتف، وبالكاد كان يناسب حجم حقيبتي. لم أكن أقدر على مواصلة عملي بدونه.”
كان نجاح تيليسيل بمثابة “لائحة اتهام” لحكومة زائير، كما تقول رونج: “كانت سماعة الهاتف العادي ترفع وتعاد الى مكانها لأن الهاتف، وببساطة، لم يكن يعمل. لو كان موبوتو قد سار باتجاه ادارة بلاده بنجاح بدلا من نهبها، لم يكن لشركة تيسيل أية ضرورة بشكل مطلق.” بيد أن الشركة كانت تمثل أيضا إبداعا مضافا للبراعة البشرية، فبالنسبة لماك روايتير، المهندس المولود في رواندا الذي عمل لدى شركة تعدين زائيرية مملوكة للدولة قبل العمل بمشروع شركته الالكترونية، وكذلك زميله غات، الأميركي الذي منحه العمل لدى شركة بان أم والخطوط الجوية الزائيرية وفندق انتركونتينتال ميزة الولوج الى نخبة البلاد، لم يتمكنا فقط من تحديد الفجوة الموجودة في السوق، بل نجحا باستثمارها وصولا الى حد الكمال.
عندما تم تنصيب أول شبكة خلوية عالميا في واشنطن سنة 1983، علم المتعهدان المبادران غريزيا بامكانية حل الهواتف الخلوية للعديد من مشاكل الاتصالات لأفريقيا؛ الا أنهما أدركا كذلك قلة المعرفة والتشريعات القانونية داخل القارة. سئل غات سنة 2008 خلال مقابلة تلفزيونية: “كيف تسنى لك تثقيف حكومة ما حول ماهية الهواتف الخلوية؟” وكان جوابه: إعطه هاتفا خليويا وأطلب منه الاتصال بالمنزل!!.
 
صدفة موفقة
كان توقيت زيارة موبوتو الى الولايات المتحدة بمثابة ضربة حظ، لكن كان لا يزال على غات اقناع شركة إستئجار السيارات الوطنية تأجير عشرة هواتف بدون السيارات المصاحبة لها، وكان لا يزال من الضروري على روايتير أن يبرمج الهواتف على التردد الصحيح. “حمدا لله أن الأمر نجح،” هكذا قال غات عن أول اتصال ل
موبوتو.
وبرغم اعجابه، لم يكن الطاغية الزائيري، شأنه في ذلك شأن غالبية الناس سنة 1985، قد استوعب بشكل كامل كيف ستعمل التقنية الحديثة على تغيير مناحي الحياة، ورفض بشكل أولي منح تيليسيل رخصة عمل. مع هذا، عرف غات وراويتير أنهما بصدد التوجه نحو أمر حسن، وبالتالي وظفا مدخراتهما المالية لشراء شركة تقنيات هاتف محمول اميركية متداعية، وحصلا على دعم مالي من شركة موتورلا لإنشاء نظام صغير في كينشاسا. كل ما تبقى هو شراء مئتي جهاز هاتف، واعطاؤها الى موبوتو وحاشيته.
“بالنسبة لمئتي مسؤول زائري، فقد اتصلوا ببعضهم البعض، وأجروا مكالمات خارج البلاد على مدى السنة التالية لاستلامهم للهواتف من دون دفعهم لأية مبالغ مالية،” كما كتب شين اوبيدي في تفصيله لشخصية روايتير. وفي نهاية الفترة التجريبية، ومع مواجهة خسارة ما صار كونه يمثل ترسا جوهريا في ماكنة الدولة، وافق موبوتو على منح رخصة العمل، بشرط استحداثهم لتشريع خاص بمصلحتهم التجارية الحديثة العهد، ليتفق غات وراويتير مع شركة خدمات قانونية كتبت لهما العقد.
 
أسعار مرتفعة
وبسرعة، كان لكل فرد يعيش في زائير فرصة امتلاك خدمة تيليسيل. كانت للتكلفة الباهظة لجهاز الهاتف المحمول، سعره كان بخمسة آلاف دولار، وللمكالمات الدولية والمحلية أيضا، أثر واضح جعل الخدمة مطلوبة لدى نخبة البلاد فقط. وبينما حققت تيليسيل نجاحا هائلا، فبداياتها شهدت كسب مالكيها ثمانمئة دولار للمستخدم الواحد شهريا، واجهت الشركة بعض التحديات؛ فخلال أحداث النهب سنة 1991 التي قام بها الجيش، تعرضت مخازن الأجهزة للنهب وبضمنها أكداس من الأجهزة غير المنصبة، واكتشف الجنود لاحقا عدم تمكنهم من فعل شيء بها، فلا أحد يعرف كيف يجمّعها، بحسب غات. ومع ذلك، تكبدت الشركة خسارة وصلت الى ثلاثة ملايين دولار.
بحلول العام 1994، ظهرت شركة منافسة اسمها كومسيل لتتحدى احتكار تيليسيل، واختارت الشركة المنافسة استخدام تردد تيليسيل نفسه، ما أدى الى اضطرابات بجميع الاتصالات على مدى شهور. في نهاية المطاف، أفلست شركة كومسيل، بحسب رونج، التي “تشتبه أن موبوتو أراد بوضوح التعبير عن حاجته لمواصلة عمل تيليسيل بنجاح”.
ومع انخفاض سعر تقنية الهواتف النقالة وتطوّرها، واستمرار انهيار البنية التحتية للخطوط الهاتفية التقليدية على مستوى القارة، تنافست شركة تيليسيل ومثيلاتها بضراوة للامساك بالسوق الأفريقي المتنامي بسرعة. واشترت شركة مصرية سنة 2000 ثمانين بالمئة من تيليسيل، التي كانت لديها أعمال داخل 14 بلد أفريقي انذاك، مقابل 413 مليون دولار. وتوفي راويتير، بعد امتلاكه الفندق الذي صار شهيرا بسبب فلم “هوتيل رواندا”، سنة 2007 في جنوب افريقيا. أما غات، الذي لم يرد على طلبات للتعليق، فقد عاد الى الولايات المتحدة وبقي منشغلا بعالم الاتصالات، بحسب مصادر مقربة منه.
في هذه الأثناء، مضت المصلحة التجارية التي قام الرجلان الناجحان بانشائها تقوى باضطراد؛ فخلال العقد الأول من هذا القرن، بلغ معدل النمو لقطاع الهواتف النقالة في أفريقيا ارتفاعا نسبته ثلاثين بالمئة كل سنة، وهناك حاليا نصف مليار مشترك داخل القارة السمراء.
ولم يكن غات بذلك مخطئا حينما قال، بالعودة الى سنة 1983، أن تقنية الهواتف النقالة ستمثل “أمرا جيدا جدا لأفريقيا”.