منطقة الرمال المتحركة

الأربعاء 16 أيلول 2020 137

منطقة الرمال المتحركة
محمد صالح صدقيان 
 

لا ادري من الذي استخدم توصيف « الرمال المتحركة » لأول مرة واطلقه  على منطقة الشرق الاوسط ؛ لكن الاكيد انه كان يقصد الاهمية التي تحتلها هذه المنطقة على الصعيد الاقليمي والدولي ؛ وتأثيرات المتغيرات الدولية في الاوضاع الامنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية على هذه المنطقة التي لم تشهد الاستقرار منذ انتهاء فترة الاستعمار الحديث ودخولها في اتون الحرب الباردة . 
اندلاع هذه الحرب بداية تسعينيات القرن الماضي ادخل المنطقة في حراك جديد من جراء الفراغ الامني الذي سببه انهيار « قواعد اللعبة » التي كانت سائدة في عهد الحرب الباردة ؛ ومحاولة دول المنطقة المساهمة في تشكيل نظام امني جديد يكون بديلا عن النظام الامني السابق يخدم مصالحها مقابل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة للسيطرة على المنطقة في اطار القطبية الواحدة التي نادت بها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي . 
الانكفاء الاميركي على الداخل ورفع شعار «اميركا اولا» من قبل الرئيس الاميركي دونالد ترامب وخفض تواجد القوات الاميركية في المنطقة جعل لعاب الدول الاقليمية يسيل مرة اخرى من اجل تعديل « قواعد اللعبة » في هذه المنطقة ذات «الرمال المتحركة». 
الانتخابات الاميركية وضغوطها الشديدة على الرئيس ترامب جعلت احداث المنطقة وتطوراتها تأخذ منحى جديدا وفر للكيان الاسرائيلي مساحة اكبر من التحرك نحو دول المنطقة من اجل تحقيق اهداف جيو ستراتيجية جديدة كانت تحلم بها منذ اكثر من 70 عاما. المعروف عن اسرائيل انها تجيد عملية استغلال الظروف سواء كانت في الاقليم او في خارج الاقليم وتوظيفها لتصب بمصلحتها. وجود جارد كوشنير؛ ومايك بومبيو ؛ ومايك بنس في الادارة الامييكية سهل الكثير من الاحلام التي كانت اسرائيل تحلم بها؛ او بالأحرى ان هؤلاء الثلاثة وغيرهم من اعضاء الادارة الاميركية نجحوا الى حد بعيد من تصوير ايران باعتبارها العدو الحقيقي للامن والسلام في منطقة الشرق الاوسط وبالتالي وضعوا طهران في خانة العدو المشترك للكيان الاسرائيلي ولبعض الدول في المنطقة حتى يستطيعوا فرش السجادة الحمراء امام العلاقات الاسرائيلية العربية.
في الجانب الاخر؛ تتحرك تركيا من اجل اعادة صياغة امنها القومي مستفيدة من الفراغ الامني الذي يسود المنطقة. تحرك باتجاه سوريا؛ واخر باتجاه مجلس التعاون الخليجي من خلال النافذة القطرية؛ وثالث باتجاه ليبيا واخيرا المحاولة لتغيير «قواعد اللعبة» في شرق المتوسط مع الجارة اللدود اليونان والعمل لوضع نموذج عاجل لتقاسم منطقة شرقي المتوسط بالتعاون مع منظمة الامم المتحدة وحلف شمال الاطلسي الذي يضم في عضويته البلدين تركيا واليونان. 
وليس بعيدا عن هذه المتغيرات تقف ايران التي ترزح تحت طائلة عقوبات اقتصادية لم يسبق لها مثيل كما قال الرئيس الاميركي دونالد ترامب ؛ وهي تراقب حركة الرمال في هذه المنطقة . نجحت الى حد بعيد في تعزيز امنها القومي عندما تصدت للحركات الارهابية في العراق وسوريا واوجدت حالة « توازن الرعب » مع الكيان الاسرائيلي لمواجهة التهديدات المحتملة التي تطلقها اسرائيل بسبب او من دون سبب لطهران . اختراق الكيان الاسرائيلي للامن العربي والتواجد على الساحل الاخر للمياه الخليجية احدث خللا في موازين القوى وشكل تهديدا امنيا جديا لايران لا يمكن انكاره. 
الكيان الاسرائيلي الذي عارض « الاتفاق النووي » بشدة يحاول سد باب اية مفاوضات محتملة قد يفكر بها الجانبان الاميركي والايراني في المستقبل فهو يعمل على تعميق الهوة بين الدول العربية وتحديدا الخليجية منها وايران لتضع ايران في خانة « الدول المارقة » و «المهددة» للامن ولدول المنطقة وهذا مايسهم في اضافة مسحة اضافية من التوتر على العلاقات الايرانية الاميركية .
وفي ظل هذه الاجواء تعمل الولايات المتحدة على تقليص دورها في المنطقة ذات «الرمال المتحركة» وترك الامر للاعبين محليين للتفرغ لمواجهة اكبر مع الدب الروسي والتنين الصيني في معادلات اكبر في مرحلة مابعد « جائحة كورونا » حيث تخيم سحابة سوداء على الاقتصاد العالمي والتي ترشح ان تكون الولايات المتحدة احدى ضحايا هذه السحابة التي لاتمطر ذهبا وانما مرشحة لان تكون الولايات المتحدة احدى اكبر الدول تضررا من الازمة الاقتصادية العالمية التي يتوقع كثيرون ان تظهر منتصف العام المقبل 2021. 
ان المنطقة تمر بمخاض امني شديد يتنافس عليه الرقباء المحليون اضافة الى قوى دولية وجدت نفسها في برهة من الزمن انها خارج المعادلة وتريد ان تعود على استحياء كما في الحالة الفرنسية من اجل المساهمة في تقسيم الكعكة التي تطبخ على حرارة الرمال المتحركة.