تابو.. سردية الطواف في قطاع 33

الأربعاء 16 أيلول 2020 96

تابو.. سردية الطواف في قطاع 33
  يوسف عبود جويعد
 
من الضرورات المهمة في فن صناعة الرواية، قيام الروائي بعملية تغييرات وحدات وعناصر وأدوات المبنى السردي، وبنائها وفق مقتضيات كسر الرتابة والتقليد والملل، وهذا لا يتم إلا في حالة قدرة الروائي على القيام بهذه التجربة دون أن يخل بمسارها وسياقها الفني المتبع لإعداد النص، وقد حفلت رواية (تابو) للروائي حميد المختار، بخروجها على المألوف الذي اعتدنا عليه ونحن نتابع حركة السرد، كونها ضخت بكم كبير من العناوين الرئيسة والفرعية
وأعيدت تلك العناوين داخل متن في تفاعلات تتعلق بدورة الأحداث ومتغيراتها، ويقدم لنا الروائي في هذا النص، رحلة عميقة بين الحاضر والماضي في أحد الأماكن الذي أتخذه كأداة مكانية ضمن بقية الأدوات والعناصر التي تستحضر ضمن عملية التدوين، وهذا المكان هو قطاع 33 الذي هو واحد من القطاعات التسعة والسبعين لمدينة الثورة، وندخل في هذا المكان لنطوف في أزقته وساحاته وشخوصه ورموزه المهمة، مخترقين التابوات التي ظلت عصية على الاختراق مثل التابو السياسي، الذي شهد متغيرات عديدة، ولكنها كانت وما زالت ضد حرية وأمان وسلام وطمأنينة الإنسان في هذا البلد، وقد اتسم هذا الاختراق بالجرأة الموضوعية الواعية التي تخللتها المؤثرات الحسية الشعرية في لغة السرد للسارد العليم، وكذلك اختراقه للتابو الديني ودخوله من مدخل الوعي الذي يجب أن يكون في هذا الجانب:
)لا ادري هل سيسمح لي قلبي بتكملة هذه الأسطر اقصد الأسطر المهمة في مرحلة حياتي الأخيرة، حين كنت شاهداً على كل شيء منذ البداية، وحتى نهاية الكتابة، لا بد لي من الاعتراف وأنا الذي عشت عالمين متناقضين تماماً، عالم الظلام الممتد لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً وعالم النور والفوضى الكبيرة التي
نعيشها،) ص 36 .
ومن هنا يتبين لنا أن سارد هذه الأحداث، هو الروائي ذاته لكونه ابن هذا القطاع ومن ساكنيه، وعاش فيه فترة طويلة من الزمن شهدت طفولته وصباه وشبابه والأحداث التي حدثت له وهي غريبة ومثيرة، وسنجد الكثير من تلك الأحداث في ثنايا هذا النص، لذا فإن اللغة السردية انبثقت من الحالة النفسية والروحية والحسية لتشكل مسار هذا النص، وسنشهد مقدمة أولى ومقدمة ثانية وتعريف لقطاع 33 في مستهل هذا النص، ثم ننتقل إلى خمسة ملفات تتعلق بحياة الشخوص: 
)في ذلك الصباح المشؤوم أصبح الناس في قطاع 33 على غير عادتهم تماماً، لقد أصابهم مس من الجنون، أمي حين استيقظت أخذت تبحث في الفراش عن بكارتها المفقودة، كانت تصرخ من الرعب: أين بكارتي يا أولاد.. بينما ابي كان في أوج عصبيته يبحث بين طيات ثيابه عن جزء من جسمه وحين سألته امي قال لقد سرقوا عضوي يا امرأة فأجابته: جاسم أنا ايضاً سرقوا بكارتي، فضج البيت بالصراخ ولم نسمع صرخات الجارة (تجية) وهي تغرق بيت تلال الزوري بحثاً عن زوجها) ص48 . 
إن الأحداث التي سارت داخل متن النص تتعلق بحياة البلد السياسية والدينية في حقب زمنية امتدت من الماضي حتى التغيير الذي حدث وما خلفه من آثار سيئة على الإنسان وهو يعيش داخل هذا البلد، وهذا التابو السياسي يقدمه لنا الروائي بكل جرأة ليكشف عن أمور كثيرة لا يمكن حصرها في هذه الدراسة. 
ثم ننتقل إلى القسم الثاني من هذا النص، وعبر أجنحة الموت البيضاء إلى الماضي، إلى الأجداد والخالات والعمات والأب والأم والعمى والجذور ولقاء الموتى ومقبرة الأطفال والزريبة وسرقات وقديمة وهي عناوين لفصول فيها تفاصيل امتزجت فيها الغرائبية والعجائبية والفنتازيا لتشكيل النص وتكوينه، وتلك الأدوات الكتابية أعطت للنص مسحةً من السحر المحبب، وتتسع مديات النص ونغوص في أعماقه ونطوف في قطاع 33 وتفاصيل الحياة التي دمرت بسبب تلك التابوات، ونتابع حياة الشخوص الذين برزوا داخل النص، فضلاً عن الكم الهائل من الشخصيات التي تخللت هذا النص وهم، فريد الدين العطار ومحمد الشهواني وجمولي الكوري وسامي البصير ونهاوند، الذين سوف نتابع تفاصيل مهمة عن حياتهم وبعناوين تتغير وفق مقتضيات العملية السردية:
(فجأة علا صوت الأطفال فهربت منها لأنني لم أجد جواباً مقنعاً، حين ذاك عادت إلى أبي الذي ظل ينتظرها بشغف، من منا يتذكر كل ذلك ونحن نعبر أحزاننا وندخل فردوس أرواحنا الضائعة، هناك حيث لحقنا متشبثين بالأنفاس الأخيرة لحدائق صبانا وشبابنا، وما إن مالت الشمس إلى المغيب وابتدأ الظلام حتى ظهرت محاسن ألوان النافورة وسطنا وعلا غناء شجي من بين دوائر الشباب) ص324. 
وهكذا وبعد أن خضنا غمار تجربة الروائي حميد المختار في هذا النص، نكتشف أن الأمل يعول على الشباب الذين سوف ننتظر منهم التغيير نحو حياة جديدة، ونبذ ورفض التابو السياسي الحالي الذي ظلم فيه الشعب وخدع بسلطة لم تحقق ولو جزءًا بسيطاً من حقوقهم، كما نلاحظ في هذا النص الرؤية الفنية للروائي الذي قلب فيها عناصر السرد الرتيبة والتقليدية، وبعثرها في فضاء النص وأعاد بنائها بشكل جديد دون أن يخل بعملية فن صناعة الرواية وأدواتها وعناصرها المهمة والأساسية التي تستخدم فيه، وأغرق الرواية بعناوين وتفاصيل كثيرة وكبيرة، ليقدم لنا رؤية فنية جديدة لعملية بناء النص الجديد الذي خرج من القالب الرتيب.
من إصدارات دار سطور – بغداد – المتنبي لعام 2020