عادل محسن.. قصيدة سكنت أهداب العاشقين

الجمعة 18 أيلول 2020 285

عادل محسن.. قصيدة سكنت أهداب العاشقين
 ضياء الأسدي
مازال الموت يطارد العصافير، وغيوم الفقد تخيّم على أزاهير الشعر ونجومه الصاعدة من ضفاف الحرف، المصائب تترى والحزن لن يهدأ بعد على رحيل من رحل من الشعراء، ليهمي الوداع اخيرا على نورس الشعر الغنائي عادل محسن، ويقتات الموت على بسمته الضاجة بالوجع والطيبة وهو يهمهم بحب البلاد، التي سكنت روحه الشاعرة منذ تفتح القصيدة في ثنايا روحه الماطرة بالإبداع.
القصائد الغنائية العالقة في اذهان الناس هي من لوّحت اولا الى نعش الورد، وذرفت الدموع الحارقة على وجه كلمات (من ايد الصبح محلى استكان الجاي) تلك الأغنية الذائعة الحب الى جنب العديد من الأغاني الجميلة، التي سكنت أهداب العاشقين، ولم تهو من جسد الذكريات.
الزميل رئيس التحرير علي حسن الفواز أشار الى روح الراحل بجسامة الفقد «ان بين عادل محسن وجيل من 
المغنين الحالمين، والعشاق الذي يشترون الكلام بإفراط، وربما يمضغونه، هناك الكثير من السرائر والحكايات، فعادل كان يلملم اللغة في هامشها وسحرها وشبقها لتكون جاهزة للحب او للغناء، فهو شاعر بلا اغطية، ولا استعارات ضاغطة، الصور تنثال منه شفيفة، طرية، متوهجة، تسكن تحت قميصه، يدغدغها وتدغدغه، يهجس بها طربا وشهوة حتى تبدو وكأنها أغانٍ جاهزة للاعتراف.
رحيل عادل غيابٌ لشاهد على احلامنا القديمة، واسرارنا في اماكن العتمة، والقلق والخوف، حيث تتجاور برعب مع حكايات واحزان وافراح وخيبات..مثلما ان رحيله كان فاجعة ثقافية، وفي ظل حاجة ماسة لمن يغني احزاننا، فمازال عمره يتسع للغناء والاعتراف والتفكير بصوت عال.. الى فيض الرحمة الكبيرة، وعند فيض الذكر ستظل شاعرا حالما اراد ان يغسل الرماد الذي حاصرنا بسردياته منذ عقود».
 
صاحب معشر
الشاعر الغنائي عدنان هادي رفيق حروف الفقيد المعفرة بالشعر رثاه قائلا:
«عادل قبل ان يكون شاعر انسان شفاف وصاحب معشر وضحكته ماتفارك شفايفه.. عادل وحسين الشريفي وحمزة الحلفي والله يرحمه علي العتابي وانا كنا نتنافس على كتابة النص الغنائي الجميل، وكانت المنافسة تحمل بين طياتها الحب والاحترام لبعضنا البعض ونهنئ بعضنا عند نجاح عمل لواحد منا». عادل له حضور كبير لدى الناس وحب واحترام من كل الوسط الفني. فارس من فرسان الاغنية العراقية والعربية، خسرته الساحة الشعرية والغنائية بصورة خاصة.. ادعو من الله مخلصا أن يشمله برحمته الواسعة ويعفو عنه ويغفر له ويسكنه واسع جناته.
وبشأن مواقف جمعتهما اضاف «من كنت براديو دجلة.. اتصل بيه وكال اني راح اكون بالسليمانية بعد باجر. عندي سيارة احولها.. واتفقنا على ان يكون ضيفي في برنامجي «بستان الشعر».. ورتبت حالي اعد الاسئلة لعادل واكتبها حتى لا انساها..لأن اني اعرف كلش عنه الله يرحمه». 
«بس اللي صار هو خلص شغله ومر عالاذاعة حتى يشوفني ونرتب اللقاء بالليل،بس مالكاني لأن يتصور عندي دوام كامل بالاذاعة مايدري اني اجي بس للبرنامج..وما اعرف شلون قنعه ماجد سليم..واتصل بيه مدير الاذاعة وقال لي صديقك يمنه..كتله منو كال عادل محسن كلتله اي اني متفق وياه يكون ضيفي بالبرنامج بالليل..كال ياليل عادل بالجو مع ماجد..خابرت ابو الاتصالات كلتله اخذني بالجو وسويت نفسي مستمع بس كشفوني وصار فاصل من الضحك الله يرحمه كانت الضحكة متفاركة دائما».
 
وداعاً ( كون يمگ).. 
رئيس جمعية البيت العراقي للشعر الشعبي المركز العام حامد كعيد الجبوري، آثر ان يرمي حروفه النازفة  في رحيل الشاعر بأحدى قصائده قائلا:
كون يمك.. 
الف هنياله الينام الليله يمك 
كون يمك 
كون احضنك.. 
كون ابوسك.. 
كون اشمك 
كون احط راسي اعله صدرك بلكي خدي يزيل همك.. 
حين يرحل الشاعر، وبخاصة المبدع  يثلم عرش الإبداع، وها هو عرش الإبداع العراقي يفقد  جزءاً بعد آخر، رحلت لعالم الضوء الأبدي قامات إبداعية شعبية، أسست لبناء القصيدة الشعبية الراسخة، شاكر السماوي، عزيز السماوي، طارق ياسين، ابو سرحان ، كامل سواري، فاضل السعيدي، جمعه الحلفي ، علي الشباني، عريان السيد خلف، كاظم إسماعيل الكاطع، صباح الهلالي ، وووو، أسماء قعدت أركان القصيدة الشعبية، ورددت وغنت الذائقة العراقية نتاجهم، رحل الشاعر الترف، العذب، المسكون بالجمال والرومانسية، واناقة الملبس، واناقة القصيدة ومفرداتها، عادل محسن خلع عن جسد القصيدة الشعبية مفرداتها (الحسجة) الغامضة، واسبغ عليها رقة ومدنية اللهجة الحضرية البغدادية:
(حبيبي الخاطرك جيتك تلكاني / وأنه شوصف محبتك يعجز لساني / يازهرة شبابي وفرحتي بدنياي / يا أول بشر  عالدرب مشاني).
 عادل محسن العاشق، مذ مسك قصبة الإبداع كتب للقلوب العاشقة مبتدأً بحبيبته ( ام نور سلامة الحسن)، ربما لم يكتب لغيرها، أو كتب لغيرها وهي التي يقصد، علاقته امتدت معها من عام 1985م حين كان طالبا بكلية التربية / قسم التاريخ، وحبيبته بقسم اللغة العربية ووصفها بالقول:
(اول ما شفت طولك على الباب / وأول ما اجت عينك بعيني / جن تكول اعرفك صارلي سنين / وجن عشرة عمر بينك وبيني).
 يعد الشاعر عادل محسن من أوائل الشعراء الذين يمسرحون ويتغنون بقصائدهم، وتجايل مع الشاعر الراحل خضير هادي، حتى أصبحا  اسمين معروفين في صالات الشعر من قصائده:
(يا ألمي ويا فرح عمري / ياقيمتي وحجمي وسعري / محبوبتي يا أمي يا بوي /يا إخوتي وحزام ظهري). 
وعادل محسن كتب للأم يقول:
(كان يا ما كان جنه ام وجهال / ام عظيمه وما يتعبها الزمن / كبرنه بس ما نشعر بطعم الأمان / إلا يم الوالده ام أجمل حضن).
 وتبقى قصيدة عادل محسن للأب من غرر قصائده، ومن عيون الشعر الشعبي العراقي، الذي كتب للأب العظيم، عادل محسن كتب للأب كأي فقير كادح، كأي عراقي حرم من خيرات وطنه، كأي طفل يرى الأبوة جبلا وملاذا لطفولته، وطفولة العراقيين:
(جنه زغار نكعد وكت الغروب /اباب الدار ننطر جية ابونه / يرجع مبتسم بس وجه متعوب / ومن يشوفنه يضحكن عيونه / يجي امحمل ابونه أشكال وألوان / وتظل تلوم بيه أمنه الحنونه / تعبك هذا تعبك لا يبو فلان / تتعب والجهال يضيعونه)
وظل العراق المبتلى هاجس عادل محسن وهاجس كل من أحب تراب هذا العراق العظيم: 
(هذا العراق الحلو  هذا اللي حبينه / بغداد بيت الاهل  والبيه تربينه / شاف العراق الحلو من الهموم أشكال / وياما انجرح هالوطن بس ما بجت عينه / خايف يضيع الوطن مابين هذا وذاك /شيعوضه إلنه الوطن لا مال لا أملاك / نحتاج مال الدول أموال تهدينه  / بس لو طلبنه وطن ياهو اللي ينطينه). 
واختتم الجبوري حديثه بالقول:
غنى لعادل محسن رحمه  الله اغلب الفنانين العراقيين والعرب، وعمل في فضائيات وإذاعات عديدة نشرت الأدب الشعبي العراقي، وحببته للذائقة العراقية والعربية، بطريقة القاءه  المميزه والمحببه، بقي أن نعرف آخر وصية للراحل الشاعر الكبير عادل محسن، وحسب ما تناقلته وسائل الإعلام مرفوعا 
لارملته ام نور التي أكدت، أن رغبة عادل  محسن  أن يترك علاجه في بيروت ويعود للعراق ليموت فيه ، رحمك الله أبا نور الشاعر والصديق عادل محسن واسكنك فسيح الجنان:
(ها يا وطنه الحلو يازين يا غالي / مو انت الأول جنت ليش أصبحت تالي).
 
رحيل الوفاء
ومن منفاها القصي، وصلنا نشيج الشاعرة ايمان رسول الكوفي قائلة:
فقدنا شاعر مبدع كتب اجمل القصائد والاغاني الهادفة، شاعر 
لو عاش الف سنة، لكتب بترافة احساس اول قبلة للحب، بعد نهوة استعرض بها جيش من ابناء العمومة قوى البنية وفتل عضلات الاشقياء.
شاعر يحمل الحب بكل معناه لذلك كانت كتاباته تدخل القلوب دون استئذان، عاشق للوطن للناس لزوجته التي يبكيها مجرد همسه بحبها. في زمن اصبح به الوفاء غير مألوف، نعم هي مواصفات الشاعر الحقيقي المرهف بكل ما للكلمة من معنى.
رحم الله الوفاء وله اهدي هذه الومضة:
البگه براس القلم ينعاك
لزمنا بيوتنا خلصت الجنازه
لون ينطينه عطوه الموت
نفصله بجيش من المالهم عازه...
المطرب والشاعر محمد زبون، جمعته العديد من المواقف التي لاتنسى مع رفيقه الراحل عادل محسن، واصفا اياه بـ«الإنسان الشاعر.. والضحكة الجميلة» مستذكرا أول اللقاءات به قائلا:
تعرفت على عادل محسن عام 1979 في منتدى الشعراء الشعبين الشباب في مدينة الصدر (الثورة)قرب ساحة مظفر.
ومنذ ذلك الوقت وإلى ساعة وفاته قبل ساعتين، لم أجد من عادل إلا المحبة والطيبة والنقاء.. كان انساناً رائعا قبل أن يكون شاعراً مبدعاً.. ما زلت اتذكر له موقفاً رائعاً في العام 2003 عند وفاة والدتي الحبيبة.. حيثزارني آخر لحظة من آخر ليلةونحن نهم برفع سرادق العزاء.. جاء يبكي بصوت عال وينحب.. وقال هذه والدتيالطيبة الكريمة وووو..
وكان يحمل بيده حقائب السفر، جاء من المطار الى عزائي مباشرة.. كان في سفرة خارج العراق.. الحقيقة لا يمكنني أن أستطيع كتابة رثاء لعادل.. لايمكن ان اتخيل عادل محسن توفي وانتهى مشوار حياته وتواصلنا الاخوي.. مازلت مصدوماً لخبر وفاتهالمفجع،كنت اتمنى ألا يمر به اي ظرف صحي بسيط. كيف الآن وعادل قد مات.. هل انعيه..ام انعي نفسي.. او محبية..لا أقول شيئاً.. سوى انتظرنا هناك ياعادل..وسنلحق بك عما قريب جدا.. بلغ تحايانا الصادقةلعريان وخضير وصباح وعماد وجبار.. وبدأت بكتابة قصيدة اليك:
سواها صدك ويانة ملك الموت
وبسيف المنايا يحصد التابوت