{القدر الساخن}.. هل تنهي الجائحة تقاليد عمرها آلاف السنين؟

الأحد 20 أيلول 2020 81

{القدر الساخن}.. هل تنهي الجائحة تقاليد عمرها آلاف السنين؟
  آنا فيفيلد
  ترجمة: ليندا أدور
 
حتى في الأوقات العادية، فالحماية مطلوبة عند التعامل مع طبق «القدر الساخن» الصيني المشهور، ولمنع تعرضهم للرش بالمرق أثناء غمسهم لقطع اللحم النيء والمأكولات البحرية والخضراوات والمعكرونة داخل القدر المغلي، يرتدي زبائن المطعم المرايل بعد ان يخلعوا ستراتهم وحقائبهم ويضعوها داخل خزائن بعيدا عن الروائح المنبعثة من السمن والتوابل، بينما يقف عمال المطعم بانتظار توزيع ربطات الشعر للنساء وأغطية بلاستيكية لحفظ الهواتف النقالة على مسافة مناسبة من القدر، كل ذلك قبل تفشي فيروس كورونا.
لكن في صين ما بعد الجائحة، هناك إجراءات صحية جديدة في مطاعم «القدر الساخن»، إذ تم اعتماد عيدان الأكل العامة، فقط، لغرف الطعام من القدر الى صحن الشخص. تقول هان مينجيا، أثناء وقوفها بانتظار خلو طاولة في أحد فروع مطعم ديان تاي تشاينغ للقدر الساخن بمدينة تشنغدو: «البعض استغرب الأمر وتقبّله، لكن آخرين يقولون بأنهم غير معتادين على استخدام الأعواد لتقديم الطعام»، مضيفة «من الصعب ان يعتاد الناس على استخدام الأعواد العامة أثناء تناول «القدر الساخن»، مقارنة بأي صنف طعام آخر لأنهم يتناولونه بصورة جماعية مع الأصدقاء ويشعرون بسعادة لدرجة ينسون أنفسهم فيها».
 
المعتاد الجديد
تعدُّ فكرة استخدام الأعواد العامة في التقديم، تغييرا جذريا في التقليد المتبع والمعتاد في الصين بتناول الطعام بشكل جماعي أو «النمط الأسري»، إذ لا يطلب الناس وجبات فردية منفصلة بل العديد من الأطباق ليتشاركوا بها، من دون التفكير باستخدام أعوادهم الشخصية في الطبق الجماعي، ثم في طبقهم، ثم أفواههم، ومن ثم الى الصحن. وقد منح تفشي فيروس كورونا زخما جديدا لحملة تدعو للتوقف والبدء بتغيير تقاليد تقاسم الطعام، التي هي جزء من الثقافة الصينية وتعبير عن التقارب والمودة. 
يشير زهانغ وينهونغ، العالم المختص بالأمراض المعدية في شنغهاي، بأن «تناول الطعام بشكل منفصل» يجب ان يكون هو «المعتاد الجديد»، واصفا عادة تقديم الطعام باستخدام الأعواد الخاصة، بأنها «الأكثر رعبا» من منظور الصحة العامة، وقال خلال افتتاح مهرجان الطعام الذي أقيم في شنغهاي نيسان الماضي: «ما ترونه هو الطعام والشراب، لكن ما أراه هو مجرد فيروسات وجراثيم». لذلك، تروّج العديد من المنظمات لجعل تاريخ الحادي عشر من تشرين الثاني المقبل، الذي عندما يكتب بالأرقام (11)، يبدو كزوج من عيدان الطعام، «يوما للطعام المتحضر»، بالرغم من انها ليست بالمهمة اليسيرة. 
يقول لي يبينغ، مدوّن الطعام في تشنغدو والمشارك بحملة عيدان الطعام العامة: «إنه تقليد صيني وعادات قديمة تعود لآلاف السنين»، فيما يؤكد كيو إدوارد وانغ، استاذ التاريخ بجامعة روان بولاية نيوجيرسي الأميركية، ومؤلف كتاب: «عيدان الطعام: تاريخ ثقافي ومطبخي»، بأن الصينيين بدؤوا باستخدام الأعواد لتقاسم الطعام في نحو القرن الثاني عشر، عندما بدؤوا باستخدام الموائد، بعد ان كانوا، سابقا يحملون الأطباق ليتناولوا الطعام، لكن مع بدء استخدام الطاولات، بدأ الناس بتوزيع الأطباق ليتشاركوا بها»، مضيفا: «في نظري، انها كغيرها من العادات، ربما ستستغرق وقتا طويلا لتتشكل، وما ان تتشكل، سيصبح من الصعب جدا تغييرها».
 
الثورة كاللقاح
أبدى الكثير من الصينيين اعتراضا على استخدام أدوات وأواني التقديم ظنا منهم أنها ستخلق تباعدا بينهم وبين أصدقائهم أو أفراد أسرهم، فيما يراها آخرون بأنها غريبة بعض الشيء، اذ قد يظن البعض أنهم مصابون بالعدوى. تركز الحملة في تشنغدو (موطن أطباق القدر الساخن، بمقاطعة سيتشوان، جنوب غرب الصين) على فكرة أن بالامكان إظهار المودة من خلال عدم نقل الجراثيم، اذ تقول كوو وينجي، مدونة طعام: «نريد أن نقول للناس بأن هذا لا يعني أنك لا تبدي اهتماما بالآخرين، وإنما تهتم بهم وبصحتهم»، فكما تروّج مطاعم القدر الساخن لأطباقها واجراءاتها الصحية، فإن استخدام أعواد الأكل الخاصة، قد يصبح مقياسا للمعايير العليا». 
يقول لي ليانغبينغ، مدير قسم أمراض الجهاز الهضمي بمستشفى سيتشوان في تشنغدو، أن استخدام أدوات وأواني التقديم سيقلل من خطر انتشار أمراض أخرى، مثل التهاب الكبد من النوع A وE وحمى التفوئيد والزحار، التي جميعها يمكن أن تنتقل عن طريق اللعاب. مع تفشي الجائحة، خضعت تقاليد الأكل الجماعي الى مراجعات دقيقة بعد ان تسببت مأدبة ضخمة، مطلع العام، بانتشار سريع للفيروس عبر مدينة ووهان بعد أن تجمع حولها نحو 40 الف شخص وتصبح مصدر تفشي الوباء. وسرعان ما فقد طبق «القدر الساخن» مكانته والإقبال عليه، لكن، ومع عودة فتح المطاعم لأبوابها، استغلت السلطات الصحية الفرصة لتغيير العادات، فبدأت وسائل الإعلام التي تدار من قبل الحزب الحاكم، بالترويج لـ «ثورة الموائد» في البلاد، واصفة استخدام أدوات التقديم بأنها تشبه «اللقاح» ضد الفيروس.
كشفت دراسة أجرتها وكالة جيانغسو الإخبارية الحكومية بأن 64 ألف شخص من الذين استطلعت آراؤهم، عبروا عن الانزعاج من استخدام الأعواد، للغاية، فيما أشار 57 الف آخرون بأنهم سيجربون استخدامها.