الأمانة والأمين

الأحد 20 أيلول 2020 149

الأمانة والأمين
عبدالهادي مهودر
جميع وزارات الدولة هي أمانات بيد الوزراء وكان يمكن أنْ يطلق عليها اسم أمانة الداخلية وأمانة الدفاع وأمانات الصحة والتعليم والثقافة وغيرها، ومهما اختلفت التسميات يبقى المعنى واحداً وهو حفظ الأمانات بأداء الواجب، والأمانة كصفة هي خلق وقيمة إنسانية عليا إذا التصقت بشخص أصبح محل ثقة الجميع، أما الجهة المسؤولة عن مدينة بغداد ونظافتها وجماليتها وتقديم الخدمات البلدية ضمن حدودها فحملت تسمية أمانة وليس وزارة مع أنها وزارة الوزارات بإمكانياتها الكبيرة وتخدم الملايين من أهالي بغداد وأبناء المحافظات الوافدين إليها ولكونها العاصمة والمركز السياسي والاقتصادي حتى في زمن اللامركزية، وكل أمين لبغداد كان يرث مشكلات ويخلف أخرى ويحل مشكلة هنا ويفتح جرحاً هناك ويهتم بهذا الجزء ويهمل ذاك وبغداد تحيا أو تموت بناءً على مدى رؤيته وأمانته وكفاءته وثقافته ونشاطه أو خموله وميدانيته أو مكتبيته، ولكل من هذه الحركات والسكنات أثر في الأرض.
وعلى الرغم من أنَّ شرط الكفاءة في تسلم المسؤوليات لا غنى عنه، لكننا اليوم أصبحنا نسأل عن نظافة يد المسؤول وأمانته قبل كفاءته، فإذا توفر الشرطان فتلك بشارة خير ونور على نور، والأمين يحمل عبء الواقع الصعب ويفكر بالمستقبل الآتي ويستعد له، وفي الصيف حين تشح المياه يفكر بموسم هطول الأمطار  وبالمدن العاجزة عن تصريف المياه ويستعد للحزن الذي يبعثه المطر وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر.
وأمانة بغداد هي الجهة المسؤولة عن العاصمة وهمومها الثقال والتي تحولت أرصفتها إلى مراكز عمل اضطرارية لآلاف الخريجين والمتعبين، وأمام السيد الأمين الجديد المهندس منهل الحبوبي مهمة كبيرة اسمها (بغداد) بأهلها وماضيها وحاضرها ومستقبلها وبجانبيها كرخ بغداد الذي يبدو أفضل من حيث البنى التحتية والفوقية قياساً برصافتها ذات الكثافة السكانية العالية والمستويات المعيشية المتدنية، ولن يجد أمين بغداد تشابهاً بين المناطق المحاذية لنهر دجلة من جهة الكرخ مع نظيرتها التي لا تناظرها في جانب الرصافة التي تحتاج منه إلى حملة إنقاذ استثنائيَّة (من رخصة أهل الكرخ)، فلو جئنا الى شارع الرشيد فمشاريع تأهيلية سمعناها جيلاً بعد جيل ومنذ لحظات انطلاقها الوهميَّة أصبح هذا الشارع من أشهر شوارع بغداد بانعدام النظافة  وما بين الشارع والنهر صور لا تسر الناظر وبيوتٌ آيلة للسقوط والاندثار بما فيها البيوت التراثية والمواقع التاريخية المهمة، ولو اطلعت عليها لوليت منها فراراً ولملئت منها رعباً سيادة الأمين، وهي رغم كل ذلك مقصد البغداديين وعليها تذهب أنفسهم حسرات ولا أشك لحظة بأنَّ كل العواصم المحيطة بالعراق تتمنى لو كان لديها منطقة تاريخيَّة تشبه هذه المنطقة الممتدة من وزارة الدفاع الى تمثال الرصافي ويحاذيها نهر مثل دجلة، أما بقية مدن الرصافة فتكاد تكون خارج المعقول وأهلها أكثر سكان الأرض صبراً على الوعود بالغد الأنظف والأجمل الذي لم يأت بعد، كذلك المدن التي تتجاوز حدود مدينة بغداد وتدخل في صلاحيات المحافظة فهي الأخرى خارج التاريخ، ومع كل ذلك تتجدد آمال البغداديين بأمينهم الجديد لتحقيق حلم (بغداد الأنظف) فإن كان نقص التمويل هو السبب الرئيس في توقف أو تعثر المشاريع الكبيرة والفساد الملحق به فليكن التركيز على النظافة كأسبقيَّة وهدف، فبغداد تستحق أيادي نظيفة وشوارع أنظف وطرقاً أفضل لتجميع ورفع النفايات والتخلص منها، ولا نقول استثمارها وتدويرها، ولتكن النظافة عنواناً لبغداد قبل البناء والإعمار الذي قد يطول انتظاره ويصعب مناله في المدى القريب، ولنعمل أولاً لتحقيق شعار (من أجل بغداد أنظف) قبل (الأجمل) وكلاهما حلمان يتحققان بتوفر العزم والهمة والبيئة الأمنية والقانونية التي تصنع الحياة والجمال.