الجمعيَّة الوطنيَّة لرعاية المكفوفين :انعدامٌ للحقوق والمسؤوليات

الاثنين 21 أيلول 2020 227

الجمعيَّة الوطنيَّة لرعاية المكفوفين :انعدامٌ للحقوق والمسؤوليات
   ذوالفقار يوسف
 
شكلت لوحات عالميَّة بنسخ ثلاثيَّة الأبعاد مطبوعة لأكثر من ست صور، إذ جاء هذا الأمر مراعاة المكفوفين كونهم لا يستطيعون التمتع بالنظر إليها، فضلاً عن أنَّ أغلب المتاحف العالمية تمنع زائريها من لمس هذا الفن، إذ كان الهدف من ذلك إعطاء فرصة للمكفوفين للإحساس وتكوين صورة في خيالهم من خلال حاسة اللمس.
 
وكما الأديب طه حسين بظلام عينيه ونور أدبه، والفيلسوفة هيلين كيلر بأضوائها في الظلام، ولوحات الرسام التركي أسريف أرمجان، كان لمكفوفينا في العراق أهدافٌ وأحلامٌ لا بدَّ لنا من السعي لتحقيقها أو حتى تسهيل مهمة هذه الشريحة التي باتت معدومة الحقوق.
أُهمِلتْ هذه الشريحة التي تعدُّ من إحدى الفئات التي تهتم بها باقي الدول بشكل خاص، وتسهل عليهم ممارسة حياتهم الطبيعيَّة، فيتسابق علماء التكنولوجيا والأطباء، لاختراع ما يمكنه مساعدتهم والتخفيف عنهم، فمثل القائمين على المتحف، ابتكرت لهم أدوات الكترونيَّة تساعدهم، مثل أجهزة القراءة، ونظارات متطورة تحد من عجزهم، أو علاج يعطيهم الأمل لرؤية النور مجدداً، ففي النهاية هم مواطنون وعلى الدول التي يعيشون
فيها رعايتهم.
 
خيط أمل
تم تأسيس الجمعيَّة الوطنيَّة لرعاية المكفوفين في العراق في العام 1987، إذ تعدُّ من منظمات المجتمع المدني، من أولويات عملها العناية بهذه الفئة، من خلال توفير المستلزمات الضروريَّة التي تساعدهم في المضي بهذه الحياة، كتوفير الوحدات السكنية، والعناية بالعاجزين كلياً منهم، وتعليمهم وتدريسهم بواسطة مناهج محددة لهذه الشريحة، إذ يقع مقر هذه الجمعية في العاصمة بغداد، وقد أسست على أهم عاملين، وهما تحسين المستوى الصحي والتعليمي، وتلبية احتياجاتهم اليوميَّة بإيجاد فرص عمل تجعلهم يندمجون بالمجتمع من دون مشكلات ولا تعقيدات.
قامت مجموعة من الأكاديميين والتدريسيين في بغداد بتأسيس هذه الجمعية، من مسؤوليتهم الاهتمام بفاقدي البصر، علاوة على ضعيفي البصر، فملاك الجمعيَّة هو من المكفوفين أيضاً، لذلك تسهل عملية التواصل والتعلم، وبسبب الأزمات والحروب المتتالية على البلاد، صارت هذه الشريحة أمام تحدي الهلاك والضياع وغياب الحقوق، ما زاد همومهم وظلام أيامهم وانتكاس أحوالهم، وانقطاع ذلك الخيط الذي يربطهم لرؤية النور من خلال رعاية الدولة لهم، فالفساد من أولوليات الحكومات المتعاقبة، فهمشت هذه الفئة الضعيفة كما هُشمت، نحو هلاك مظلم لا مفر منه.
 
مقرٌ متهالك
الأستاذ لؤي السعداوي رئيس الجمعيَّة الوطنيَّة لرعاية المكفوفين في العراق، يحدثنا ويقول: «قبل أنْ نقوم بتحويل مقر الجمعية الى مكان تابع لإحدة الأسر الكردية، كان لنا مقر خاص في العاصمة، إذ اعتبر كمنحة من قبل الدولة وتحت رعايتها، قبل أنْ يقوموا بتحويلنا الى مكانٍ تابع لإحدى الأسر الكرديَّة، وبعد مطالبتهم بأملاكهم من الدولة، اقتضى الأمر بأنْ نقوم بتحويل مكان الجمعيَّة الى سكنٍ أقل تكلفة وفي الوقت ذاته يحوي هذه الشريحة وفعالياتها ومناهجها، إلا أننا لم نجد غير شقة مؤجرة متهالكة في منطقة باب المعظم في العاصمة بغداد، ولا نزال نشغلها منذ العام 2005 والى الآن».
 
تبرعات مشبوهة
يردف السعداوي: «بانعدام دعم الدولة لهذه الشريحة لجأت الى التبرعات الشخصيَّة، من قبل ملاك الجمعية نفسه من ميسوري الحال، فضلاً عن متبرعين من خارج الجمعية، إذ تضم سبعة تدريسيين على رأس إدارة الجمعيَّة بشكل مادي ومعنوي وحسب الحاجة، علاوة على دعم الجمعيَّة من قبل وزارة الأوقاف قبل أنْ تنقسم الى قسمين، أما المؤسسات فقد عملت كوسيطٍ بين المتبرعين الخارجيين والجمعية، إذ كان هناك بعض المتبرعين من مرشحي الانتخابات البرلمانيَّة، وقد وعدونا أنْ نكون من ضمن خططهم الانتخابيَّة، لكننا قابلنا عروضهم بالرفض، لأنَّ النية كانت واضحة، وليعلم بأننا ضد مصالحهم الشخصيَّة حتى لو كانت تخدم شريحة
المكفوفين».
وأضاف «نقوم بعمل خطة للاستفادة من هذه التبرعات لعمل المناهج الدراسيَّة، وإقامة سفرات توعويَّة، وكانت آخرها الى دولة تركيا، إذ تكون جميع هذه السفرات ممولة من قبل الدولة نفسها المنظمة للمهرجات والندوات التي تهتم بشريحة ضعاف البصر والمكفوفين وتخدم مصالحهم، أما بدل إيجار مقر الجمعية، فيكون من مسؤولية المتمثلين بأعضاء الجمعية من الهيئة الإداريَّة، فضلاً عن أنَّ الخطوط الجوية العراقية تقوم مشكورة بخصم رسوم السفر بنسبة 50 % للمكفوفين الراغبين بالسفر
خارج البلاد».
 
وعود مؤجلة
دامت الحكومات في العالم تدعم شريحة المكفوفين بأكثر من طريقة، وبكل الإمكانيات، وتسهيل دخولهم الى الدوائر الخدميَّة والتعليميَّة، إلا أنَّ حكومتنا ودوائرنا صعبت عليهم الحياة أكثر فأكثر، إذ في بادئ الأمر كانت هناك مساعٍ حكوميَّة من الجانب الدراسي وضم هذه الشريحة لصفوف المتعلمين، كالاستثناءات من قبل وزارة التعليم العالي،
وعدم الوقوف على ذوي المعدلات وشروط وقوانين الكليات، وبعد أنْ تم قبولهم في كليات الشريعة والعلوم السياسية وأقسامها، محددة بذلك عدد المقاعد الدراسيَّة باثني أحد عشر قسماً، ليتفاجأوا بعد ذلك أنَّ هذه الكليات قد رفضت تواجدهم من ضمن أقسامها وصفوفها، ولأسبابٍ غير معروفة، إذ قاموا بمناشدة بعض النواب في هذه الأمور، إلا أنها حتى الآن وعودٌ مؤجلة لا غير».
 
جمعيات ولكن!
تسعى العديد من الجمعيات لتحقيق أغراضها الشخصيَّة، مؤسسة بذلك منصة تحت مسميات منظمات المجتمع المدني، فوفقاً لأحكام القانون أي شخص معنوي طبيعي قد سجل واكتسب الشخصية المعنوية غير الحكومية، تتم الموافقة عليه كصاحب منظمة مجتمع مدني، مهما كانت دوافعه، فبعضهم بات يهدف الى الربح المادي، لذلك يرون من جمعيتنا والجمعيات الأخرى من شرائح الشعب، فرصة سانحة لاستغلالها، كجمع التبرعات أو الدعم المادي.
يؤكد لنا الأستاذ لؤي «تخلو مؤسستنا من قوانين دفع رسوم الاشتراك، ونحن متعاونون رغم إمكانياتنا المحدودة، إلا أنَّ هناك العديد من المؤسسات والأشخاص همهم الوحيد الكسب غير المشروع عن طريق الادعاءات الكاذبة بتمثيلهم لجمعيتنا، إلا أنهم في النهاية غير قادرين على إيصال معاناتنا بشكلٍ صحيح، لكون أغلبهم غير فاقد للبصر، ولا يشعر بمعاناتنا، لذلك يكون ناقص الاهلية في شرح ما نعانيه في أرض ينعدم فيه الحق والحقوق».
 
«اوربت ريدر»
أقامت الجمعيَّة عدة ندوات تثقيفيَّة ومهرجانات أغلبها تهتم بالتنمية وتوجيه المكفوفين، ودورات تعليميَّة لدمج المكفوف مع المجتمع، وايضاً دورات لتعليم السير والحركة الإرشادية، ودورات بواسطة برامج الهاتف الجوال في الكتابة عن طريق البرامج الصوتيَّة، ودورات برايل لتعليم القراءة، بواسطة لمس كتب طبعت بشكل يستطيع من خلالها المكفوف لمس الكتابة والإحساس بها، إذ يشرف جميع الأساتذة على هذه الدورات بالمجان، أما ورشات العمل فهناك ورشة عمل عن الدمج المجتمعي، وايضاً إقامة عدة ندوات من أهمها دعم المرأة الكفيفة الذي أقيم في دولة قطر، وهناك عدة بحوث بهذا الخصوص، أما المؤتمر الذي أقيم في تركيا المتمثل عن هاميروس، فكانت الجمعية هي الوفد العربي الوحيد الذي حضر، وهناك نشاط مونتاج الفيديو والهندسة الصوتية على الحاسوب، فضلاً عن شراء الأعضاء جهازاً خاصاً يدعى (اوربت ريدر) وهو جهاز يربط بالحاسوب حيث يقوم بنقل إيعازات ما تكتبه عليه من طريقة برايل».
أما المسرحيات الجادة فيقول الأستاذ لؤي: «كانت هناك ثلاث مسرحيات جادة إلا أنَّ العراقيل التي واجهتنا بسبب انعدام الدعم كانت السبب في توقف
العمل».
يضيف السعداوي: «أنَّ أعضاء الهيئة التدريسيَّة من المدرسين المتقاعدين الذين تفرغوا تماماً لخدمة الجمعية ومرتاديها من المكفوفين، أما فروع الجمعيَّة فبعدما كان هناك فرعٌ للجمعية في كل محافظة، إلا أنه بعد العام 2003 لم يبق من هذه الفروع، سوى في محافظة الناصرية وواسط وميسان».
 
أمنيات كفيف
إضافة الى النشاطات في الجمعيَّة أطلقت حملة التوعية الصحية لمكفوفي العراق من مخاطر كورونا، وهي عبارة عن إرشادات صحيَّة نضمت بواسطة المكفوفين أنفسهم من مقاطع مرئيَّة وتمثيليَّة، وايضاً استضافة طبيب مختص بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرت كوسيلة اتصال بين الأطباء وبين المرضى بهذا الوباء من المكفوفين لتقديم النصائح
والإرشادات.
كانت أمنية الأستاذ لؤي السعداوي والهيئة الإدارية للجمعية هي الاهتمام بالمكفوفين ورعايتهم من قبل حكومتهم، من خلال توفير سكن ملائمٍ لهم، وتخصيص مبالغ تكفيهم للعيش الكريم، وبالرغم من أنَّ آمالهم برؤية النور كانت أكبر من آمالهم برؤية حكومة تحميهم من مطبات الدنيا، إلا أنها تبقى أمنيات مؤجلة لا زالوا ينتظرونها لغيرهم من المكفوفين، ليختم قوله بأنَّ «هناك إهمالاً في إصدار مناهج خاصة بطريقة برايل من قبل الجهات المعنيَّة، فقد تجد هذه المناهج موجودة في أسوأ البلدان الفقيرة كما في دولة السودان، إلا في العراق فتجد هناك التفاعل الشخصي فقط لمساعدة هذه الشريحة».