الدور البريطاني في انقلاب إيران عام 1953

الاثنين 21 أيلول 2020 94

الدور البريطاني في انقلاب إيران عام 1953
  جوليان بورغر 
  ترجمة: مي اسماعيل
ألقت إفادة جاسوس بريطاني الضوء على دور بلاده في الانقلاب الذي وقع عام 1953 بايران، فأطاح برئيس الوزراء المنتخب وأعاد الشاه الى السلطة، وجاءت الإفادة خلال مقابلة أجريت مع أحد ضباط دائرةMI6 الاستخباراتية في ثمانينيات القرن الماضي نُشرت للمرة الاولى، بعدما جرى اكتشافها مؤخراً عند البحث لاعداد فيلم وثائقي.
 
وصفت إفادة ضابط الاستخبارات الذي أدار العملية كيف تطلب الامر من المخابرات البريطانية عدة سنوات لاقناع الولايات المتحدة بلعب دور في الانقلاب، أثناء ذلك جندت MI6 العملاء ودفعت الرشاوى لاعضاء في البرلمان الايراني بأوراق نقدية نُقلت لهم داخل علب البسكويت، عملت MI6 والمخابرات الاميركية CIA معا حتى لتجنيد شقيقة الشاه رضا بهلوي؛ ضمن مسعى لاقناع الشاه المتردد بدعم الانقلاب للاطاحة برئيس الوزراء محمد مصدّق، يستذكر “نورمان داربيشاير” رئيس الدائرة الفارسية في MI6 (ومقرها قبرص) خلال فترة الانقلاب، قائلا: “كانت الخطة تقضي بالسيطرة على مناطق حيوية بالعاصمة، بواسطة الوحدات التي اعتقدنا أنها موالية للشاه.. ومنها السيطرة على الاذاعة..الخ، وهي الخطة الكلاسيكية”. 
في لحظة محورية من تاريخ ايران، ترك الدور البريطاني بصمة دائمة على المنظور الإيراني تجاه بريطانيا؛ لكن تفاصيل دور جواسيس لندن بقيت مستترة. قدم داربيشاير روايته للأحداث عبر مقابلة غير رسمية مع محطة تلفاز”غرناطة-Granada” البريطانية عام 1985؛ خلال اعداد فيلم “نهاية امبراطورية: ايران”، رافضا الظهور أمام الكاميرا؛ ولذلك لم تستخدم تلك المقابلة مباشرة في الفيلم. 
أصبح نص المقابلة طي النسيان حتى أعيد اكتشافه أثناء الاعداد لوثائقي جديد بعنوان “انقلاب 53” ليُعرض في الذكرى السابعة والستين للانقلاب، جسد فيه ممثل بريطاني دور الضابط داربيشاير، يقول “تاغي أميراني” مخرج فيلم “انقلاب 53”: “رغم أنه كان “سرا معروفا” لعقود طويلة؛ لم تعترف الحكومة البريطانية رسميا بدورها الأساس في الانقلاب، وكان العثور على نص مقابلة داربيشاير يعني العثور على دليل قاطع.. انه كشف تاريخي”. وقد نشر أرشيف جامعة جورج واشنطن الأميركية نص المقابلة (المكتوب بالآلة الكاتبة).
 
النفوذ السوفييتي
عيّن شاه ايران «محمد مصدّق» رئيسا للوزراء في الأول من نيسان 1951، بعد فوزه بتأييد ساحق من البرلمان الايراني، وكان أول ما قام به مصدّق هو تأميم شركة النفط الايرانية- البريطانية (التي أصبحت لاحقا-BP، بريتش بتروليوم)؛ ليخلق أزمة فورية في العلاقات مع بريطانيا. لكن السبب الاساسي (وفق افادة داربيشاير) لرغبة MI6 بالتخلص من مصدّق كان اعتقاد جواسيس بريطانيا أن حكومة مصدق (التي تضم عضوا واحدا فقط من حزب “تودة” الشيوعي) سيطغى عليها النفوذ السوفييتي، قال داربيشاير: “أعتقد ذلك جازما؛ لأن مصدّق كان شخصية ضعيفة الى حدٍ ما، وحالما توظف أفرادا ذوي تدريب عالٍ من الحزب الشيوعي؛ فلن يطول الأمر، ولم نكن نشاطر الأميركان الرأي أن مصدق كان بمثابة متراس بوجه الشيوعية.. وكان اعتقادنا أنه سيُدفع جانبا من الشيوعيين على المدى البعيد”. 
في العام 1951 عمد نائب رئيس الوزراء البريطاني آنذاك “أنتوني آيدن”؛ من دون استشارة كبار مسؤوليه، الى ارسال الأكاديمي وجاسوس زمن الحرب “روبرت زينر-Robert Zaehner” لمحاولة الإطاحة بمصدّق؛ عبر رشوة أعضاء البرلمان الإيرانيين البارزين. قال داربيشاير: “صُرِفت مبالغ مالية كبيرة، واعتاد زينر حمل علب بسكويت مليئة بأوراق مالية كثيرة، وأعتقد أنه أنفق نحو مليون ونصف المليون باوند (مليون وتسعمئة ألف دولار)”. 
فشلت محاولة زينر وغادر ايران، تاركا داربيشاير ليخطط لبديل أشد عنفا؛ لكنه كلف حكومته مبلغا أقل.. وهو ما يؤكده داربيشاير قائلا: “كلفنا الانقلاب 700 ألف باوند، وأنا أعرف لأنني أنا الذي أنفقته”! يفتخر داربيشاير بأنه قدّم قيمة جيدة مقابل المال؛ وفي مرحلة أخرى من التحضير للانقلاب تفاخر بأنه استخرج معلومات استخباراتية حيوية من قائد بالجيش الإيراني مقابل رطلين من شاي ليبتون؛ قائلا: “لا يتوفر ذلك الشاي في ايران، فأحضرته له.. هذا بالضبط ما دفعته له”.
 
تجنيد العملاء
جنّد داربيشاير ثلاثة اخوة من أسرة غنية تحتفي بالثقافة البريطانية(ممن يوصفون بمصطلح: أنغلوفيل-anglophile)؛ أسرة رشيديان، وكانت مهمتهم ايجاد متآمرين آخرين واثارة الاضطرابات والعمل كقناة لآراء الشاه في طهران. وعنهم يقول: “كانوا مفتونين بالتواصل مع البريطانيين، ومبتهجين بأخذ أموالنا مقابل شيء آمنوا به في أنفسهم. وشعروا أن مصدّق يمثل تهديدا كبيرا”. وادّعى الجاسوس أيضا الفضل بتجنيد الجنرال المؤيد للشاه “فضل الله زاهدي” لقيادة الانقلاب واحتلال موقع مصدّق في نهاية المطاف ليصير رئيسا للوزراء: “يستند الانقلاب بالضرورة إلى استخدام القوة المسلحة، وزاهدي كان المرشح المناسب لأنه كان يتمتع بمكانة جيدة؛ والشاه يثق به”.
بحلول تشرين الاول 1952 قطع مصدّق العلاقات مع بريطانيا وطرد دبلوماسييها وجواسيسها؛ فتوقف تخطيط داربيشاير وغادر طهران وفي جيبه مخططات انقلابه، فقدمها للمخابرات الأميركية “CIA” في بيروت. لكن “CIA” لم تكن مهتمة بعد؛ ولخيبة أمل داربيشاير لم تكن قيادة الاستخبارات البريطانية “MI6” مستعدة للمضي قدما من دون الأميركان. ومضى قائلا: “خلال الاشهر الاولى من العام 1953 كنا نصعّد العمل مع أسرة رشيديان، واعتقدنا أن لدينا ما يكفي من الوحدات العسكرية لتنفيذ أمر ما؛ لكن لندن بدأت تتردد”. وأضاف بنبرة لاذعة: “للأسف فإن رئيس ادارة جهاز المخابرات السرية “SIS” آنذاك، الجنرال “جون سنكلير” كانت معرفته بالشرق الأوسط بقدر ما يعرفه صبي في العاشرة؛ ولعله كان أكثر اهتماما بلعبة الكريكت على كل حال”. 
 
أخطاء ونوايا
لم يتغير الموقف الأميركي حتى تسلم «دوايت آيزنهاور» السلطة مطلع العام 1953، وكان التحدي حينها يتمثل بإقناع الشاه الشاب العصبي وعديم الخبرة بالانضمام إلى المؤامرة؛ فإن لم يكن مستعدًا لتوقيع مراسيم إقالة مصدّق وتعيين زاهدي، فلن يثمر الانقلاب. وضمن جهودهم لاقناع الشاه ذهب داربيشاير ونظيره من المخابرات الأميركية «ستيفان ميد» الى باريس للقاء «أشرف»؛ أخت الشاه واقناعها بالسفر الى طهران والتأكيد لأخيها أن اميركا وبريطانيا جادتان بشأن الانقلاب. وصف داربيشاير الموقف قائلا: «أوضحنا أننا سندفع التكاليف، وحينما قدمتُ رزمة كبيرة من الاوراق النقدية برقت عيناها، وقالت أن عليها الذهاب الى نيس (فرنسا) لمدة اسبوع لتصفية الامور، كانت امرأة متقلبة؛ وقد اعجب بها ستيفان». 
أقرّ داربيشاير أنه دبر عملية اختطاف قائد شرطة مصدّق اللواء «محمود أفشرتوس» في نيسان 1953؛ لكنه أصّر على القول أنه لم تكن هناك نية لقتله على الإطلاق؛ وهي جريمة قتل أججت عدم الاستقرار الذي سبق الانقلاب: «حدث خطأ ما؛ فقد اختُطِف واحتُجِز في كهف.. احتدمت المشاعر؛ وكان أفشرتوس متهورا بما يكفي لإبداء تعليقات مهينة عن الشاه، ووضِع تحت حراسة ضابط صغير أخرج مسدسه واطلق النار عليه.. لم يكن ذلك أبدا ضمن مخططنا؛ لكن هذا ما جرى». بعد بضعة بدايات خاطئة نجح الانقلاب أخيرا يوم 19 آب 1953.. فقُدّم مصدّق للمحاكمة ووضع تحت الاقامة الجبرية حتى وفاته بعد 14 سنة.. ووفقا لأقوال داربيشاير كان مصيره محددا منذ لحظة تسلمه المنصب؛ إذ يقول: «كانوا عازمين على عزل مصدّق حتى لو وقّع اتفاقية لصالح البريطانيين؛ وفي خاتمة المطاف كانوا سيُجبرون على التفكير بالتخلص منه لمنع النفوذ السوفييتي؛ وأنا مقتنع أن هذا كان محتماً».