الـقتيــل المعــافى

الاثنين 21 أيلول 2020 88

الـقتيــل المعــافى
 كاظم غيلان
يعود الفضل لإصدار ملحق ثقافة شعبية أولا للصديق الشاعر الراحل جمعة الحلفي، إذ أسس تجربة الملاحق التي نهضت بالصباح كجريدة أولى في عراق مابعد صدام، مستثمرا تجربته العريقة في الصحافة التي عمل بها خلال سنوات
 منفاه. 
ولن أبالغ ان قلت بأن الصحافة العراقية لم تشهد طيلة تاريخها الطويل مطبوعا متخصصا بهذه الثقافة التي تشكل واحدة من أهم تشكلات ثقافات شعوب العالم، فقد كرست صفحاته لمجمل تفرعات الثقافة الشعبية من شعر عامي ومسرح شعبي وطقوس وموسيقى وغناء. 
وامتدت تحقيقاتها الميدانية من أهوار الجنوب العراقي حتى حارات (دمشق) ومقاهيها حين كان الصديق (ابو حالوب) يقوم بدور الموزع هناك بوصفه (مختار العراقيين)، فضلا عن تكريس أعداد خاصة لرموز هذه الثقافة التي لاقت اصداءً إيجابية واسعة كالعدد الخاص بالفقيد شمران الياسري
 (ابو كاطع).
والشاعر الراحل (كاظم الركابي) وآخرها الملف الخاص بالقصيدة الشعبية من تراثها حتى حداثتها مدعوما بدراسات نقدية مهمة.برغم الوضع الطارئ الذي عشناه فترة الاقتتال الطائفي وتعرض مبنى الجريدة لتفجيرات حاقدة كانت تحدياتنا أكبر وأشد
 صلابة.
وأذكر كيف كنت والصديق حمزة الحلفي نعد ملفا خاصا لاستشهاد الشاعر رحيم المالكي وفوجئنا باستشهاد الشاعر غني محسن إثر حادث تفجير إرهابي حتى بذلنا كل مابوسعنا لجمعهما في عدد خاص.
وللامانة التاريخية والمهنية فقد كان جو الحماس واللهفة في العمل متأتيا من طبيعة علاقتنا مع الصديق فلاح المشعل فترة اشغاله موقع رئاسة التحرير، وكان حافزا لانتاجيتنا المتميزة فضلا عن طبيعة شبكة علاقاتنا الواسعة مع الأوساط الثقافية والفنية التي تحقق من خلالها الحوار الصحفي الموضوعي الذي حقق إرساء هوية الملحق الثقافية الملتزمة وسط أجواء مشحونة بحساسيات البعض من المتثاقفين المرضى ممن عانوا كثيرا من عقدة الفشل
 والعزلة.
كانت لنا صباحات تشيّعها الطرائف والمماحكات مع من جاورونا في زقاق الملاحق الخشبي من ستراتيجيين وشعراء قصيدة النثر.لقد كان هذا الملحق رافدا منتجا لهويته؛ ولذا فمن أبرز نتائجه إصدار مجموعة الشاعر المبدع عماد المطاريحي بعد إخضاعها لمسابقة تشرفنا عليها، وأتذكر كيف أقمنا احتفالا
 بها.
بعد مغادرة الصديق المشعل بدأ تضييق الخناق تحت ذرائع مفتعلة حتى بدأ تحجيمه إلى صفحة أسبوعية تناوب على مسؤوليتها العديد من
 الأصدقاء.
لقد كان وليدا ثقافيا فقتلوه باسم (الثقافة) !!غادرت الجريدة مطمئن الضمير لما أنجزت وفي قلبي غصة من إشكالية المثقف الازدواجي والطارئ على المهنة الذي يجيد التسلق من مندوب إلى القمة.كان للتنوع الذي اعتمدته سياقات الملحق التي وضعناها. 
واستمرت متابعتنا للحفاظ عليه أثرها البالغ في أبعاده عن التكريس الضيق الذي يتسبب بنفور المتلقي - القارئ، لذلك كان لصفحة (المعرض الفوتوغرافي) وتنوعات (الأخيرة) جمهور يضاهي المعنيين بالشعر والدراسات ان لم يكن متجاوزا لاعدادهم وهذا ما أضفى حماسا جديدا للبحث عن النوادر من جوانب حياتنا الشعبية لاسيما
 الأماكن.
يضاف لهذا كله انفتاحنا على المستوى العربي، إذ اخترنا العديد من نماذج شعر العامية اللبنانية والمصرية، وهذا ما لم يكن مألوفا في المطبوعات التي سبقتنا.
 من كل ما تقدم كان لهذا النجاح الذي تحقق مستحقاته في الحب الذي لمسناه من خلال متابعات القراء بشكل عام والنخبة بشكل خاص لما في الملحق من ملامح واضحة للهوية الثقافية الناصعة.
يقابل هذا الحب الضغائن التي لا بد منها والتي أفرزت ما في حسابات أعداء النجاح غير الموفقة وهو حاصل تحصيل في اية تجربة
كانت.