الزواج خارج المحكمة : أطفال بلا نسب ونساء بلا حقوق

الثلاثاء 22 أيلول 2020 164

الزواج خارج المحكمة : أطفال بلا نسب ونساء بلا حقوق
  بغداد: فجر محمد
 
بورقة صغيرة ضمت شهوداً لم أعرف عنهم شيئاً سوى انهم من اصدقاء والدي المقربين، وفستان ابيض بالكاد كان على مقاسي لانني كنت صغيرة العمر في ذلك الوقت، وغرفة ازدحمت بالضيوف، واصوات الزغاريد كانت تملأ المكان، وحلوى يقذفها المهنئون، لم اكن اعرف حينها بالآتي، لقد كان كل شيء حينها جميلاً، فقد انهت الابتسامات ظنون القلب بالمأساة، وسيطرت اهازيج الافراح على شكوك النفس، لأوافق على عقد قراني.
 
"مؤامرة الجكليت"
روت (م، د) قصتها بعينين مليئتين بالدموع والحسرة، ثم تنهدت وقالت:"وسط ذهولي وخجلي سلمت اموري وكل ما يخصني بيد والدي الذي كنت اظنه سيحارب لاحقا من اجلي في هذا الزواج، الذي تبين انني الخاسرة الوحيدة فيه، اذ لم يستمر اكثر من عام واحد وبعد ذلك وقع الانفصال، ولم احصل على اي حق من حقوقي، غير تلك الحلوى التي قذفت فوق رأسي في يوم زفافي".
فهذه واحدة من قصص عديدة لنساء خسرن حقوقهن، وبدأن برحلة الكفاح والصراع من اجل تثبيت الزواج ونسب الاولاد وغيرها من المشكلات المترتبة على هذا النوع من الزيجات.
 
بيانات
يلجأ يومياً عدد لا يستهان به من اولياء الامور الى المحاكم لتصديق عقود زواج بناتهم، التي ابرمت خارج تلك الاروقة لظروف مختلفة، وانكرها الازواج تهرباً من المسؤولية، في الفترة التي اعقبت سقوط النظام البائد، والحرب الطائفية التي شهدتها البلاد، قامت كثير من الاسر بتزويج بناتها الصغيرات اللواتي لم يبلغن سن الرشد بعد خارج المحكمة لحمايتهن من الظروف العصيبة آنذاك، وتشير البيانات والاحصائيات الصادرة عن مجلس القضاء الاعلى الى أن هناك ارتفاعاً كبيراً بعدد الزيجات خارج المحكمة، بالمقارنة مع نظيراتها القانونية التي تحفظ حقوق المرأة والاطفال، فضلا عن زيادة حالات الطلاق بشكل لافت للنظر للزيجات المعقودة خارج المحكمة، ومن الجدير بالذكر انه قبل عام 2003 كان يحاسب رجل الدين الذي يكتفي بالعقد الديني ولا يصدقه في المحكمة، ولكن نظرا للظروف التي وقعت في البلاد بذلك الوقت الغيت هذه المادة القانونية ولم تعد مفعلة.
 
تراضٍ وقبول
لم تكن تلك المرة الاولى التي يعقد فيها صديقي زواجه خارج المحكمة، بل سبقتها مرات متعددة، يروي عقيل فاضل البالغ من العمر(30 عاما) حكاية احد اصدقائه ويقول:"في كل مرة يقرر صديقي الزواج، كان يثير استغرابي، فهو يصر على عدم تصديق عقد الزواج داخل المحكمة كي لا يترتب عليه دفع مستحقات الزواج، ومن اللافت للنظر انه قد تزوج ثلاث مرات بالطريقة نفسها وبالتراضي مع اهل الفتيات اللاتي غالبا ما يختارهن لم يبلغن سن الرشد بعد و من الاسر محدودة الدخل، كي يضمن الموافقة الكلية على شروطه".
 
الفقر
قد يدفع عسر الحال والدخل المحدود الاسر الى تزويج بناتها لاشخاص غير مؤهلين اجتماعيا لتحمل مسؤولية الاسرة، اذ تشير الباحثة بالشؤون الاجتماعية سدى الخفاجي الى أن عدم التمتع بالثقافة الاجتماعية والوعي، والاستهتار بالقيم والمبادئ التي تربى عليها المجتمع، هي ايضا واحدة من الاسباب التي ادت الى الترويج للعقد خارج المحكمة، فضلا عن التهور والطيش الشبابي الذي غالبا ما تكون الضحية الاولى فيه الطفل الذي قد تنشأ لديه عقد نفسية وشخصية غير سوية بالمرة.
 
تصديق العقد
لم تغب عن بال المشرع العراقي ضرورة وضع عقوبات لمن يعقد خارج المحكمة ويؤسس اسرته على هذا الاساس، لذلك وضعت في قانون الاحوال الشخصية المادة 10 الفقرة (5)عقوبة للزوج المخالف، هذا ما بينه القاضي علي محمد الدراجي واضاف قائلا:"ان وضع هذه العقوبة في قانون الاحوال الشخصية دليل على اهمية هذا الموضوع الخطير، الذي لابد أن يلتزم به المقبل على الزواج، ومن يعقد خارج المحكمة، يتم حبسه لمدة لا تقل عن 6 اشهر، ولا تزيد على عام واحد، او يدفع غرامة مالية يقدرها القانون، وفي حال كان متزوجاً، وعقد على الزوجة الثانية خارج المحكمة، فيحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة أعوام، اما عن اجراءات التصديق في حال حضور الزوجين معا، يجري عرض الموضوع امام القاضي، ويصدق بتاريخ ابرامهم العقد الديني".
 
حرمان
لا يمنع القانون الراغبين بالزواج من ابرام العقد الديني، ولكنه يحثهم على تثبيته في المحكمة، لكي يضمن حق الزوجة والاطفال فيما بعد، الحقوقية والناشطة والاكاديمية الدكتورة بشرى العبيدي، حذرت من "ان هناك خطورة في عدم تصديق عقد الزواج بشكل رسمي، لان الطفل الناتج عن هذه الزيجة لن تكون لديه اي حقوق في المستقبل، وسيحرم من هوية الاحوال المدنية و شهادة الميلاد والوثائق الثبوتية كافة".
وتضيف العبيدي "ان الطفل عندما يبلغ السن القانونية للالتحاق بالمدرسة، سيحرم منها ولن يتلقى التعليم كأقرانه، وفي حال وفاة الوالد او حصول الطلاق بين الوالدين، فستكون هناك مشكلة حقيقية بتصديق عقد الزواج، فضلا عن مصير الاولاد الشرعي والقانوني، وحرمانهم من ابسط حقوقهم في الحياة، لذلك من المفترض ان يكون هناك وعي كبير من جانب ولي الامر والمرأة المقبلة على الزواج، وحفاظا على كرامتها وكيانها لابد ان تشترط توثيق العقد الديني بشكل رسمي، كي تحافظ على ديمومة الزواج وحماية حقوق اطفالها مستقبلا".
 
عقوبات
القانون العراقي لم يغفل عن معاقبة من يتوانى عن تثبيت عقد الزواج بشكل رسمي، حيث وجه بحبس المخالف، ولكنه مؤخرا اصبح يهمل هذا الجانب العقابي، بذريعة الحفاظ على تماسك الاسرة، هذا ما اكدت عليه الدكتورة بشرى العبيدي وتابعت القول:"لابد ان يكون هناك التزام بتطبيق القانون، ليتعظ الاخرون ولا يتمادون بخرقه، ويكونون عبرة لمن يسلك نفس السلوك، ومن الملاحظ ان هناك الكثير من الشباب اليوم يعقدون قرانهم خارج اروقة المحاكم، ولا يفكرون بمصير زوجاتهم واولادهم في المستقبل، خصوصا عندما يتأخرون بتصديق تلك العقود او يمتنعون عن تثبيتها قانونيا".
 
عادات وتقاليد
تفضل الكثير من الاسر أن تعقد بناتها القران الشرعي اولا، ثم القانوني، اذ يحث الدين الاسلامي المقبلين على الزواج أن يعقدوا قرانهم الديني كي يصبحوا متزوجين شرعا، ولكن هذا لا يمنع أن يصدقوا ذلك العقد في المحكمة، ضمانا لحقوق الزوجة، هذا ما اكد عليه رجل الدين الشيخ حسام البغدادي وتابع قوله:"ان عقد القران الشرعي هو من اساسيات الزواج في الدين الاسلامي، ولكن لابد من احترام القوانين الوضعية التي تهدف الى خدمة المجتمع، وتنظيم حياة افراده، ويروي البغدادي كيف حاول احد الازواج ان يتهرب من تصديق عقد القران وانكار زواجه، ولكن العقد الديني الذي ابرمه بنفسه لهم في ذلك الوقت كان كفيلا بحل المشكلة وتثبيت الزواج قانونيا، فيقول البغدادي:" اتصل بي قاضي احدى المحاكم في بغداد، بعد نشوب خلافات بين الزوج واسرة زوجته، ما دفعه الى الانكار، ولكن العقد الشرعي الزمه بتصديق الزواج، واخذت الزوجة كل مستحقاتها آنذاك.
وبما يخص تزويج القاصرات فيفضل الشيخ حسام "الا يعقد لهذه الاعمار لوجود مشكلات متعددة، من بينها ان هذه الفئات العمرية لا تتمتع بالنضج الفكري، والقدرة على تأسيس اسرة من وجهة نظره".