«متروبوليس».. فيلم لكل العصور

الأربعاء 23 أيلول 2020 388

«متروبوليس»..  فيلم لكل العصور
 علي حمود الحسن
لا أذكر عدد المرات التي شاهدت فيها تحفة المخرج الألماني فريتز لانج " متروبوليس" (1927)، لكني كنت أقف مذهولا بعد كل مشاهدة، أمام عبقرية لانج وفتوحاته الكبرى في تقنيات السينما، الفيلم صامت وينتمي لأفلام الخيال العلمي، بل هو المؤسس الحقيقي لهذا النوع من الأفلام، وهو أيضا فيلم مستقبلي، يحكي أحداثا خيالية تقع بعد قرن من تاريخ انتاجه، قد تبدو قصته بسيطة وميلودرامية، الا انه واحد من أفضل عشرة أفلام في العالم، ففي كل مرة نشاهده، نجده معاصرا رصينا مُبهر التقنيات.
تكمن ريادة الفيلم، في بثه رسالة استشرافية، عن مآل كوكبنا الأرضي في ظل نظام رأسمالي غاشم، فعلى الرغم من سذاجة نهايته - سيعترف لاحقا بتفاهتها – إذ ينهي صراع أصحاب رؤوس الأموال والعمال، برؤية تصالحية تغلفها المحبة بالمفهومية المسيحية. الا ان قصة الفيلم تسرد صراعا حادا في مدينة مستقبلية "متروبوليس " يتحكم فيها أصحاب رؤوس الأموال بواسطة جبروت التكنولوجيا والكائنات الآلية، فضلا عن العمال المُستلَبين والمُتسرنمين الذين يعيشون في أعماق هذه المدينة كالخفافيش، بينما يتمتع الأثرياء بكل شيء، عالمان منفصلان، لكنهما متصلان طفيليا، فالأول يعتاش على كد هؤلاء وقوة انتاجهم، والثاني يعيش في العالم الأسفل بلا آمال، او حتى رغبة في الحياة، فكل شيء يسير ضمن برنامج آلي، اذ لا يحتك العمال بهؤلاء، ولا يشعر المتنفذون بمعاناتهم، فجأة تظهر فتاة جميلة ملهمة، تدعى ماريا (بريجيت هلمت) بصحبة عشرات الأطفال، تطالب بحقوق المسحوقين وتحرض العمال الخانعين، بكلمات وأسلوب طهراني مسيحي- غالبا ما يظهرها لانج محاطة بهالة - يعشقها ابن صاحب المصنع ويطاردها ليعرف بيتها، فيكتشف عالم العمال السفلي الرهيب و يتعاطف معهم، يغضب الاب وتثار حفيظته، فيستعين بأحد المخترعين المهووسين بصناعة الانسان الآلي، الذي يصنع نسخة شريرة من ماريا، فتلتبس الأمور وتقود العمال باتجاه معاكس.
يحتدم الصراع ويثور العمال على الآلات الضخمة ويحطمونها، وكاد الجمهور أن يبطش بحكومة المدينة وجيشها الالكتروني، لولا دعوة ماريا الى حل تصالحي، فاليد القوية (العمال) تحتاج الى العقل القوي(الرأسمال ) والجسر الذي يربطهما، هو المحبة، هذه الجزئية في المبنى السردي للفيلم، أوحت للنقاد بالجذر النازي لدى لانج نصف اليهودي (امه يهودية)، الذي نفذ بجلده هاربا خارج المانيا، بعد ان كلفه وزير الاعلام النازي يوزيف غوبلز بإدارة السينما الألمانية، والمفارقة ان زوجته الاولى ثيا فون هاربو، التي كتبت قصة سيناريو" متروبوليس"، لم تغادر المانيا ورفضت الهروب مع زوجها، فهي مسكونة بأحلامها لاستعادة امجاد الإمبراطورية الألمانية، بعد هروبه تنقل صاحب فيلم "جواسيس" في بلدان اوروبية عديدة، قبل استقراره في اميركا، اذ قدم إنجازات سينمائية ضخمة، أسهم الكثير منها في مواجهة الفكر النازي.
أهمية "متروبوليس"، تتأتى من كونه فيلماً تأسيسياً للحداثة في السينما أيام صمتها وخلال نطقها، فصاحب "دكتور موبوزو" لم يكن سينمائيا وحسب، إنما رساما ومهندسا معماريا، وهذا يفسر ولعه بتصميم الديكورات الفخمة الزاخرة بالخطوط الحادة والمائلة، التي عمقها توظيف عبقري لشدة الإضاءة وتباينها وابتكار زوايا تصوير للكاميرا، تكاد ان تكون اعجازية، فثمة الآلات العملاقة، والسلالم الملولبة، والمراجل العملاقة، تقابلها ضآلة الانسان وتقزمه امام تغولها، صمم لانج معاقل الأثرياء برفاهية وتضخيم، فيما بدت بيوت العمال مثل متاهة؛ فهي مصممة بأقواس وجدران مضغوطة، والوانها كابية تخفي وراءها حياة باذخة مضيئة تضج بالحفلات والافراح، الناس في مدينة لانج السريالية مغتربون مسحوقون متشيئون، فهم اقرب الى الموتى منهم الى الاحياء، وظف المخرج المبالغة في المكياج للإيحاء بذلك، وأسهمت موسيقى غوتفريد هوبيرتز التصويريَّة، بربط إيقاع الاحداث من خلال فواصل امتزجت بجوهر الحدث، فالموسيقى هنا ليست "خلفية للفيلم، إنما جزء من بنية سردية، فهي غالبا ما تمهد للحدث قبل وقوعه".
 هذه التحفة البصرية المنتجة في طفولة السينما، تحولت بفضل عبقرية لانج الى انموذج مازال مؤثرا برسالته، التي مفادها "إنَّ أصحاب رأس المال، لا يتوانون عن فناء العالم، في حال تطلبت مصالحهم ذلك"، أليس هذا ما يحصل الان في عالمنا، بينما كوكبنا الأرضي "مسطور" بالجائحة؟