السياحة متعة أم حسرة؟

الأربعاء 23 أيلول 2020 115

السياحة متعة أم حسرة؟
منتهى عمران 
وأنت تقرأ كتاب "رمية النرد الأخيرة - من أدب الرحلات" لمحمد سعدون السباهي، تبدو كأنك في زورق يأخذك الكاتب في بحر يخوض بك بحالاته بين الهدوء والصخب، أمواج تداعب أحاسيس الجمال وأخرى تعصف بذهنك فتحرك ذاكرتك وتحبس انفاسك وتعيد حساباتك في حال فكرت في خوض رحلة إلى المدن التي زارها وقدم لها محاكاة ولا أقول وصفا لأني بذلك سأغبن حقه كسارد ومحلل في ذات الوقت. 
وكلما تقدمت في قراءة صفحات الكتاب ستتذكر جملة وردت في صفحة ٣٠ وهو يصف حالة رفيقه في السفر (يضع يده على فمي ويرجوني أن أتوقف لئلا ينفجر قلبه). في حوار للناقدة د.وجدان الصائغ تصف فيه العراقيين عندما يجتمعون في بلاد الاغتراب (نفتح صرة الأحزان ونبدأ بإخراج الذكريات واحدة تلو الأخرى)، السباهي يحمل صرة حزنه يرفعها بعصاه على ظهره، لايفتأ يفتحها بين الحين والآخر كأنه يخوض في سياحتين معا واحدة للأمام وأخرى للخلف في ذاكرته التي تحمل القليل من الجمال والكثير من الحسرة والألم عن وطنه الأم (العراق) ولو قلنا الأب يليق به أكثر.
 
كتاب مثير
يتنقل بنا السباهي بين مدن (باليكسير) التركية وهو يكتب عنها: (هادئة المدينة ونظيفة وتكثر فيها الأشجار، جوها رائع فنحن الآن في أيلول..... أشعر أن قلبي يدق بهدوء وسكينة)، بين الجملتين الكثير من الأسى على المدن العربية في الكويت ومصر والعراق وسوريا واليمن لكنه لاينسى أن يتذكر الجمال في الطفولة حين يكتب (إذ هي قريتي التي طالما رافقتني مثل كتاب مثير) (آآآآهٍ ! أشعر أن صوت الريح هناك في سهوب الجنوب المفتوحة في شطآن الأهوار، يتردد صداه عاليا في أذنيّ مثلما كان الأمر أيام الفتوة والشباب، فأود لو طرت من لحظتي إلى هناك، لكن)، هذه الـ لكن ترافق الكاتب لتقطع عليه وهج الحنين وتشعل في رأسه الغضب فيعود بنا مرتدا عن الجمال إلى القبح والأسى فتصرخ منزعجا تطلب منه أن يتوقف كما فعل صاحبه وتتساءل لم يفعل السباهي ذلك ليأتيك الجواب في صفحة ١٤٠ (أما أنا فأدقق في وجوه الناس مثلما أدقق في الشوارع والأسواق مزموم الشفتين عابسا، تلك سجيتي المزعجة جاءتني من تجوالي في العديد من المدن الأوروبية والتركية التي توليها دوائر البلديات اهتماما يليق بالإنسان)، في حديثه عن القاهرة. وأرى أن ذلك حال العراقيين حين يزورون مدن العالم إذ يتحسّرون على حال بلادهم.
 
مقاطع الجمال
ونحن نقرأ مقاطع الجمال في أجزاء الكتاب سندرك حقا سبب الحسرة فالسباهي يبهرنا بمحاكاته لتفاصيل دقيقة لايغفلها سارد مبدع مثله (قلمي يتلعثم وهو يسطر ماتراه مخيلتي، مخيلتي اليقظة، مخيلتي الثملة، مخيلتي الطائرة مثل فراشة، هنا وهناك في تخوم البطائح المزركشة بالعشب والأزهار والعصافير الصائتة، والصراصر، نعم حتى الصراصر هنا تنشد لفيوضات الطبيعة) ص٥٦، وهو يحاكي لنا الطريق بين مدينتي باليكسير - اسطنبول بلغة شعرية مهيبة تليق بالطبيعة المخلوقة بأعجوبة كأنه يجعلك رفيقا حقيقيا في طريق السفر، لقد جعل بأسلوبه السردي ظلال القرّاء ترافقه ليستمتعوا معه بالجمال المتفرد حتى تحضر شياطينه لتفسد عليهم الرحلة بين الحين والآخر حين يخوض الحديث عن المدن العربية والحكام والسياسة والتاريخ وتحليله بخبرته الممتدة لسنواته الستين.
من أروع ما قرأته في هذا الكتاب مشهد متفرّد يكاد يكون سينمائيا احترافيا قل نظيره حين يكتب عن المشاهد المتنوعة في إسطنبول (فجأة انبثقت في غلالة المساء الرقيقة، ثلاث زهرات من الليلك الأسود الفاتن، أو ثلاثة هداهد منمقات، أو ثلاثة طواويس مريّشة، أو ثلاث باقات قرنفل بنفسجي، ثلاث جنيات من الشوكولاته المحمصة تتمشى وأحيانا تتلفت كما تفعل الآلهات في قديم الزمان...) واستمر فقط بوصفهن في الصفحات من ٧٨ - ٨٣ (سأظل أتحدث وأتحدث عن ثلاث فتيات جلودهن مثل عجينة من مسحوق البن، مصقولة ناعمة) أظن لو تُرجم هذا الوصف إلى اللغات الأفريقية لاتخذوه معلقة للجمال الأفريقي. 
 
الحضارة الفرعونيَّة
بينما يكتب في صفحة ١٣٧ هو يصف القاهرة (أول ماتطالع الزائر الحصيف في المدن العربية كافة غلالة من الحزن تفطر القلوب وتستدعي قاموس الشتائم والسُّباب.. ). يُسهب في الحديث عن القاهرة والاسكندرية جغرافيا وتاريخيا وسياسيا بألم وحرقة. ولكنه يعبر عن انبهاره بالحضارة الفرعونية التي تعرض آثارها في المتحف المصري ولشدة تأثره يقع في فخ حلم اليقظة فيرى وجه شخص عزيز عليه قد مات قبل بضع سنوات في مشهد مؤثر من أغرب مايمكن أن يحدث لأحد ينتهي بطرده على يد الشرطة إلى الخارج وهم يحسبونه
 معتوها.
كانت له صفحات عن عمان الأردن، حيث كان يطلب فيها الهجرة إلى أميركا لينقل لنا صورا عن تحكم السلفيين في هذا البلد وتأثيرهم على تربية الأبناء وعجز السلطة عن التعاطي مع استفحالهم.
للمطارات حصتها في هذا الكتاب وأساليب التعامل مع المسافرين وحجمها ومساحاتها ومايدور في أروقتها وأشكال المسافرين وسلوكهم. 
كان الكاتب جريئا في طرحه للأشياء والمدن والشخصيات بمسمياتها الصريحة، حتى أظن أنه قد أزعج بصراحته بعضا ممن ذكرهم وربما اتخذوا منه موقفا عبر عن انزعاجهم.