حلب وتدمر.. كنوز سوريا الآثارية تنهض من جديد

الخميس 24 أيلول 2020 70

حلب وتدمر.. كنوز سوريا  الآثارية تنهض من جديد
  روان مور
  ترجمة: ليندا أدور
كان مركز حلب يعد أعجوبة، وشاهداً على تعدد الانسانية والعمران، وتجسيداً للثروة المادية والثقافية التي جعلت من سوريا، ذات يوم واحدة من أكثر الأماكن حظاً وتحضراً على الأرض، هي «كاليفورنيا الشرق الأوسط»، لأنها تنعم بمناخ وأرض خصبة، لجمالها المادي وموقعها بين البحر الأبيض المتوسط وطريق الحرير شرقاً، وصفها هرقل الامبراطور البيزنطي في القرن السابع أثناء انسحابه أمام المسلمين الفاتحين، بـ «ولايتي الجميلة.. يا لها من جنة للعدو».
 
كانت في حلب، وما زالت، قلعة وتل ينمو الى الأعلى لأسوار شاهقة، فيها الأسواق وشبكة ضخمة من الأزقة والشوارع المغطاة، ومساحات لبيع منتجات وتجارة تشتهر بها بقدر شهرتها بأعمال البناء، حيث جواهر الهندسة المعمارية، بوابة بألوان متعددة وقبة هادئة تعلن عن نفسها وسط الحركة والفوضى، تزينها زخارف الأرابيسك بشكل لا يتلاءم مع أسلاك الكهرباء ووحدات تكييف 
الهواء.
 
روح الاختراع الحر
هناك في حلب، حيث الجامع الأموي، الذي بني في موقع أغورا هلينستية (ساحة عامة) في القرن الثامن وسمي على اسم الأسرة التي أسسته، كان الحجر هو المادة التي شيد منها جبل القلعة وكهوف الأسواق، ويغطي الصقيل والعاكس منه الفناء الكبير، حيث كان يجلس الناس ويتجمعون.
تشكل مجموعة الأجزاء الثلاثة هذه، سوريا التي شيدت على مدى آلاف السنين من السكنى، وتم احتلالها واستعادتها من قبل امبراطوريات وسلالات، كانت بلادا دونت روائعها المعمارية هذا التأريخ، حيث مدينة تدمر الصحراوية بتأثيرها الروماني،ومساجد وقصور الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وقلاع الصليبيين، وكنيسة القديس سمعان، (سانت سيمون) في ريف حلب التي عدت في القرن الخامس أكبر كنيسة على مستوى العالم.
تضم هندستها المعمارية روح الاختراع الحر والبهجة اللذين يمكن أن نجدهما عبر تيجان أعمدة سانت سيمون، حيث صممت أوراق الشجر الرصين ضمن العمارة الكلاسيكية لتبدو وكأنها في مهب الريح، وهناك من يشبهه مع فسيفساء الجامع الأموي بدمشق، حيث تظهر جنة خضراء على خلفية ذهبية، أو في انسدال الأقمشة المثير لتماثيل تدمر، كانت بلادا لتعدد الثقافات والأديان والعيش بتسامح وتعاون، حتى حبست داخل قفص الحدود القبيح الذي نصت عليه اتفاقية سايكس - بيكو لعام
1916. 
أصبح إرث سوريا المعماري ضحية وأداة دعائية للحرب الدائرة هناك، فقد استلذت عصابات داعش الإرهابية بتفجير معابد ومقابر تدمر برسوماتها ومنحوتاتها الدقيقة وحرصت على إطلاع العالم على ذلك الدمار، الى جانب تدميرها «دورا أوروبوس»، المدينة القديمة المطلة على نهر الفرات، أثناء بحثها عن كنز أثري لنهبه. 
 
أحجية صور
في مواجهة هذا الدمار الهائل، سيكون اليأس هو رد الفعل الطبيعي، وتستمر الحرب وتتفاقم الكارثة الاقتصادية جراء العقوبات وتفشي جائحة كورونا، وبالرغم من ذلك، تجري إعادة الإعمار، بتمويل خارجي، اذ يقوم «صندوق آغا خان» للثقافة، على سبيل المثال، بدعم إعادة إعمار بعض أسواق حلب، وعدد من الكنائس، بمساعدة مجموعات أجنبية، الى جانب ما تبذله الشركات الخاصة لإزالة الحطام والترميم بهدف إعادة الافتتاح، فقد جرى ترميم الجامع الأموي وارتفعت مئذنته التي انهارت العام 2013، من جديد، وتم تقصي وفهرسة أجزائها البالغ عددها الفي قطعة، ووضعت كأنها أحجية لصور مقطوعة غير مرتبة، وبتمويل من الحكومة الشيشانية، يقوم متحف الفن الإسلامي في بيرغامون ببرلين، الذي تضم مجموعاته غرفة خشبية منحوتة من حلب وقطعا كبيرة من القصر الأموي، تبرع بها السلطان العثماني، عبد الحميد الثاني، الى القيصر فيلهلم الثاني، بدوره كذلك، الى جانب جمع مبادرة التراث السوري، أرشيفا مكونا من مئتي الف صورة لمواقع سورية التقطت قبل الحرب من أجل إعادة الإعمار، وتوثيق المباني التاريخية والدمار الذي لحق بها، من خلال تحليل أشكال وتخطيطات الأحياء السكنية، لتتبع عمليات إعادة البناء أنماطها، فضلا عن توجيه دعوة الى السوريين لتدوين قصص حياتهم وعملهم، ليشارك المجتمع المحلي ذكرياته في أماكن تاريخية معينة مع المجتمع العلمي الدولي والعلماء من أجل إعادة إعمارها.
 
موسيقاها ومطبخها
تمثل الآثار القديمة التراث الأكثر إثارة للإعجاب خارج سوريا، يقارن ستيفان ويبر، مدير متحف الفن الإسلامي مدينة حلب ببرشلونة أو فلورنسا، اللتين تكمن عظمتهما في شمولية كل مدينة بقوله: «تميزت بتعدد أديانها وتراثها الروحي، وموسيقاها ومطبخها».
أما ديمة دايوب، وهي مهندسة معمارية من حلب، تعمل في برلين لصالح مبادرة التراث السوري، فتقول: «ما يميزها هو تراثها الثقافي الحي، والأولوية ليست للكنائس أو المساجد، بل لعودة الناس اليها، علينا مساعدة الناس ليعيدوا بناء منازلهم ومصادر عيشهم»، لذلك، فإن الأسواق، التي تحول بعضها الى مجرد حفر بفعل القنابل والأحياء السكنية هي الأكثر أهمية». 
يقول تيري غراندين، مهندس معماري يعمل لصالح صندوق آغا خان، ان عمليات ترميم بعض الأسواق رافقتها جهود لضمان إعادة أصحاب المتاجر الأصليين لها، الى جانب مساعدة البناءين المحليين على تطوير تقنياتهم، انطلاقا من «تدريب الناس « لتستمر المهارات والعمالة في
المستقبل.
انها مهمة جسيمة في بلد لا يزال تركيزه في الغالب، ينصب على النجاة، ففي عملية امتدت لخمس سنوات حتى الآن، تمت إعادة بناء وتأهيل 650 متراً من السوق المغطاة، من إجمالي طوله البالغ تسعة كيلومترات، اذ من المتوقع أن يستغرق العمل فيه «10 الى 20 عاماً على أقل تقدير» وفقاً 
لغراندين.
تشير دايوب الى أنه: «بسبب الخبرة والتمويل المتاحين في الوقت الحاضر، فإن الجودة ستكون متفاوتة، ونتوجه بالتحية لكل ما يحاول الناس القيام به»، مضيفة «لكن على المستوى الفني، يمكن تحسينها، حاليا، لا توجد ستراتيجية شاملة، بل مجرد جهود أفراد ووكالات، ان التحدي الأكبر، في ظل أصعب الظروف التي يمكن تخيلها، هو استعادة أفضل روح لبناء المدينة السورية».