المعلم

السبت 26 أيلول 2020 129

المعلم

حسب الله يحيى

عندما تم تعييني معلماً مطلع السبعينيات؛ كنت أعد نفسي مربياً ورسولاً ينقل الأخلاق والقيم النبيلة الى الأجيال القادمة.
كان الفرح يملأ قلبي وأنا في بستان طفولة غضة بكر، لا تعرف الكذب ولا خشونة القلب، ومهمتي وضع اللبنات الأولى في هذه العقول النقية، التي لم تلوثها الأيام بعد.
كنا ثلاثة.. معلمان ومدير.. المعلمان في غرفة وأنا المدير أنزوي في غرفة طينيَّة، لكنَّ معظم أوقاتي كانت مع زملائي. 
نتقاسم الرغيف في قرية كردية نائية، لا تعرف النقود ولا تتعامل بها وإنما تتبادل السلع مع البائع الجوال. 
القرويون.. طيبون ومحبون ويتعاملون مع الآخرين بشكل فطري تمليه الحياة المشتركة والحاجات المتبادلة والمشاعر الحميمية.
وكنا نحن الثلاثة.. نعد أنفسنا عباقرة الزمان والمكان، وكان لنا موقعنا بين سكان القرية وأطفالها على وجه الخصوص.. وفي واقع أنفسنا، كان لكل واحد منا نحن الثلاثة عالمه الخاص. وتفكيره الذي يعتقد به دون زملائه.
زميل يعنى بالرياضة وهي كل عالمه والثاني يحافظ على الصلوات الخمس من دون مناقشة والفقير -محدثكم- منصرف كلياً الى قراءة الكتب التي كان قد استعارها من اصدقائه وعليه قراءتها وإعادتها لأصحابها واستعارة كتب جديدة بدلاً من ارهاق الحال والاحوال بشرائها.. فالمهم هو قراءة الكتاب وليس اقتناءه.
اما المعلم المعني بالرياضة فقد شغل نفسه بكل ما هو جديد من شؤون تتعلق بالكرة وهي بين يديه او قدميه او عابرة من فوق رأسه..
وأما معلم الحكمة والتقوى.. فلا هم له سوى ارشادنا الى ما هو حلال وما هو حرام من شؤون الدين الحنيف. 
وما كنا -أنا وزميلي- نريد ان نختلف في هذا الشأن معه، لأن الامر لا يتطلب من أي منا ازعاج الاخر او النيل من اهتماماته وانشغالاته في هذا الشأن او ذاك، لكن الامر اختلف عندما فوجئت ذات مساء أن أصوات الزميلين تصل اذني وانا في عزلتي مع كتاب يجمل أوقاتي. 
ولشد ما أثار عجبي وأنا افاجأ بأسباب الخلاف!
كان المعلم (الحكيم) يمتلك مذياعاً ويربط صوته بسماعة اذن، بينما زميله يتوسله أن يتخلى عن السماعة ليعرف أخبار مباراة رياضية.. إلا أن حكمة الحكيم أبتِ الرضوخ الى طلب زميله.
وكانت مسوغات (الحكيم) أكثر غرابة وهو يقول: لماذا يستمع الى مذياعي مجاناً، لماذا لا يشتري بطاريات حتى يكون الاستماع بيننا مشتركاً؟!
عجبت لقوله.. ولم امتلك جواباً او حلاً.. فالامر بات يتعلق بثمن زهيد لبطارية راديو، وهذا يعني أن هذا الثمن أهم لدى (الحكيم) من الأنفاس المشتركة لزميلين في غرفة مشتركة، ولحكمة يمكن ان تحل مشكلات معقدة.
لم يحتمل سمعي طبيعة هذا الخلاف المادي ولم أجد في كل الحكم التي زرعها في اذهاننا صدق ذاك (الحكيم) وظل الشك ينتابني حتى الآن، بينما اذا كنا نحن الذين نتعامل بالقلم.. نمتلك القدرة على أن نكون رسل خير ومحبة وسلام ام لا؟.