تصاعد حجم الإنفاق في الانتخابات الرئاسيَّة الأميركيَّة

الأحد 27 أيلول 2020 145

تصاعد حجم الإنفاق في الانتخابات الرئاسيَّة الأميركيَّة
  جواد علي كسار
بين منطق الدعابة والجدّ يشيع في الحياة الأميركيَّة سؤال، فحواه: بكم تشتري الكونغرس؟ وبكم تشتري الرئيس؟ في كناية عميقة عن تأثير الإنفاق المالي على الفوز. الحقيقة أنَّ الأرقام تؤيد هذه الصلة الوثيقة بين الإنفاق والفوز، فكلما ارتفع حجم الإنفاق ازدادت فرص الفوز، كما حصل مثلاً في انتخابات عام 2000م، عندما فاز 84 % من الأكثر إنفاقاً في الانتخابات، بالمقاعد المئة لمجلس الشيوخ، وما نسبته 94 % من مقاعد مجلس النواب، أي (406) نواب من أصل (435) بدافع الإنفاق الأكبر.
مع ذلك لا يمكن التعميم، فهناك من كسر قاعدة أنَّ الفائز هو الأكثر إنفاقاً، حين فاز بيل كلينتون في انتخابات الرئاسة عام 1992م، رغم أنه كان الأقلّ إنفاقاً من جورج بوش الأب واستطاع هزيمته.
 
الأرقام المرعبة!
مع بداية الألفيَّة الجديدة قفزت أرقام الإنفاق المالي من عشرات ومئات الملايين إلى المليارات. وقد حصل ذلك تحديداً مع انتخابات 2008م التي فاز بها باراك أوباما على جون مكين، فقد قيل في وصفها إنها أوّل انتخابات تجاوز الإنفاق فيها المليار دولار، ليصل مجموع الإنفاق في الرئاسيَّة والتشريعيَّة (النواب وثلث الشيوخ) وعدد من حكّام الولايات والمجالس المحلّية، إلى ما يزيد على الخمسة مليارات، أو على وجه الدقّة (5.4) مليار دولار، لكي ترتفع سنة 2012م جزئياً، خلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية المشتركة وحكّام الولايات، إلى (5.8) مليار، وإلى (6.5) مليار مع انتخابات سنة 2016م التي حملت ترامب إلى الرئاسة.
ما ينبغي أنْ ننتبه إليه أنَّ يوم الثلاثاء الموافق 3 تشرين الثاني المقبل، لا يقتصر على الانتخابات الرئاسية وحدها، بل يشمل بالإضافة إلى ذلك ثلث الشيوخ (35 سناتوراً) وأعضاء مجلس النواب (الكونغرس) مع (13) حاكم ولاية ومؤسسات السلطة المحلّية، ومن ثمّ فإنَّ الإنفاق الانتخابي لا يقتصر على الرئاسة وحدها، بل يمتد إلى هذه المرافق جميعاً. لكن مع ذلك تبقى أرقام الإنفاق مرتفعة جداً بل صادمة، إذ قدّرت المعطيات الرقمية الأميركيَّة نفسها، أن ما أنفق في الانتخابات الأميركيَّة مجتمعة، خلال عشرين سنة (1998 ـ 2018م) تجاوز (45) مليار دولار!
للمقارنة في قفزات الإنفاق الانتخابي نلحظ أنّ آخر انتخابات نصفية جرت عام 2018م للكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، أُنفق فيها ما تجاوز (5.7) مليار دولار، وهو مبلغ قياسي، لا سيما إذا عرفنا أنَّ آخر انتخابات رئاسية عام 2016م كَلفت ولواحقها (6.5) مليار فقط، بينما أُنفق في الانتخابات النصفية عام 2014م (3.6) مليار دولار، مقابل (3.1) مليار في نصفيات 2010م.
لا أحد يستطيع التكهّن بمسار هذه المتوالية الإنفاقية المتصاعدة، بخاصة إذا عرفنا مثلاً، أنّ معدل كلفة الفوز بمقعد في مجلس النواب، كانت لا تزيد على (636) ألف دولار عام 2000م، بينما كلفة الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ (6.5) مليون دولار. أما الآن فقد بات المرشح لمجلس النواب في الكونغرس بحاجة إلى إنفاق (20) مليون دولار لكي يفوز. في المقابل يصل حجم إنفاق المرشح لمجلس الشيوخ إلى (66) مليون دولار، وهو ما يساوي حجم ما كان ينفقه المرشح الرئاسي سابقاً، في حملته الانتخابيَّة بجميع الولايات الأميركيَّة!
 
مصادر التمويل
مصادر تمويل الانتخابات مفتوحة في أميركا، فبمقدور الأثرياء ورجال الأعمال والأحزاب السياسية وجماعات المصالح، أنْ تنفق ببذخ على الحملات الانتخابيَّة، من دون حدود أو قيود. على سبيل المثال أنفق الملياردير الديموقراطي مايكل بلومبرغ رجل الأعمال وعمدة نيويورك السابق، ما يزيد على المليار دولار في الانتخابات التمهيدية ليفوز بترشيح حزبه فقط، ولم يفز! ثمّ عاد قبل أيام للتبرّع بمئة مليون دولار لحملة بايدن، من دون أنْ يقتصر عليه الأمر وحده. فقد أنفق الملياردير توم ستاير مبلغ (186) مليون دولار لكي يفوز بترشيح الديمقراطيين وفشل، كما فشل أيضاً المرشح الديمقراطي المعروف ساندروز، بعد أنْ أنفق قرابة (50) مليون على الإعلانات وحدها.
تستند الفلسفة الأساسية لإبقاء المجال مفتوحاً لتمويل الانتخابات، إلى طبيعة السياسة في أميركا، وإيمان الأميركيين بأنَّ من حق صاحب المال أنْ ينفقه، بما يؤمن تحقيق أفكاره وقناعاته في السياسة والاقتصاد والحياة العامة، ضمن نطاق حرية الرأي والتعبير عن المصالح، من دون أنْ نغفل دور تبرعات الأسر، التي تعدّ ظاهرة مجهولة لنا في العالم العربي، ففي أميركا الآن أكثر من مئة أسرة لها مساهمة في إيصال من تريد عبر المال، مثل أسرة تومان وكاترين وأدلسون وبوش، قدّمت وحدها نحو 12 % من نفقات انتخابات عام 2016م.
لذلك كله فشلت الجهود الإصلاحية التي سعت إلى ترشيد المال الانتخابي، فضلاً عن تقييد الإنفاق وفرض الرقابة عليه. لقد استطاع هذا التيار أنْ ينتزع قانوناً صدر عام 1907م بحظر مساهمات الشركات والبنوك في تمويل الحملات الانتخابيَّة، كما حظر قانون آخر صدر عام 1947م، على الاتحادات والنقابات العماليّة تمويل الحملات، لكن أعلى مرجعية دستورية في البلاد متمثلة بالمحكمة العليا، رفضت مسّ حق الأشخاص والأحزاب وجماعات المصالح، بتقديم ما شاؤوا من الأموال والتبرعات.
 
دوائر الإنفاق
ما يصل للمرشحين عبر اللجان الحزبية القومية والمحلية معه التبرعات، يُنفق تحت إشراف المرشح، ومن خلال المؤسسات التابعة لحملته الانتخابيَّة. مجالات الإنفاق رسمياً تتحدّد بدوائر ثلاث، هي المساهمة في بناء فريق العمل وتغذية نشاطه بما يحتاج إليه من مال، ثمّ الإعلانات خاصة التلفازية وهي باهظة الكلفة في أميركا، أما الدائرة الثالثة فقد تكون هي الأهمّ، وتتمثّل بالحثّ على التصويت للمرشح المعني بإنفاق
 المال.
قد يرى البعض محقاً أنَّ هذه الدوائر الثلاث، لا يمكن أنْ تستهلك بمجموعها هذه الأموال الطائلة، التي تصدمنا أرقامها الملياريَّة. وهذه ملاحظة صحيحة، إذا كان الأمر يرتبط بحملات انتخابية تمتد أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً قبل موعد الاقتراع، لكن الانتخابات الرئاسيَّة الأميركيَّة تشتبك في نظام مركب، بل متداخل ومعقّد، بحيث يمتدّ إلى نحو سنتين، تبدأ مرحلتها الأولى من الترشيحات التمهيدية للحزبين الكبيرين داخل الولايات، واجتماع المندوبين لتحديد هوية المرشح وحسم اسمه بين أسماء عدّة متنافسة، ثم تنتقل إلى الترشيح الرسمي عبر المؤتمر القومي للحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي المرحلة الثالثة تشهد أميركا التنافس بين المرشحين على مدار أشهر، كلّ ذلك تمهيداً ليوم الاقتراع الشعبي، في أول ثلاثاء من شهر تشرين الثاني، لتنتهي أخيراً عند أصوات المجمع الانتخابي المكوّن من 538 صوتاً.
هذه العملية الطويلة الممتدة والمركبة، تستهلك أموالاً طائلة أصبحت اليوم بالمليارات. أضف إلى ذلك الإنفاق الاستثنائي على الولايات المتأرجحة. فالمرشح الديموقراطي لا يولي عناية كبيرة ولا ينفق أموالاً كثيرة، في الولاية المحسوبة على الديموقراطيين والمحسومة لهم سلفاً، وكذلك المرشح الجمهوري بالنسبة للولاية الجمهورية، بل ينصب التنافس على الولايات المتأرجحة، التي تستهلك أموالاً طائلة من المرشحين كليهما، للفوز بأصواتها.
 
الإطار القانوني
عدا استثناءات قليلة، من قبيل ما حصل من اتهامات لحملة نيكسون عام 1974م، من أنها ارتكبت مخالفات في التمويل؛ فإنَّ الاتجاه العام في الحياة الانتخابيَّة الأميركيَّة، يتعامل مع الإنفاق المالي على أنه ممارسة عادية تتحرك في إطار الدستور والقانون والأعراف السياسية. لذلك فشلت حتى اليوم، كلّ دعوات الإصلاح والترشيد والحدّ من الإنفاق، وستفشل في المستقبل أيضاً.
عادة ما يستشهد أنصار الإصلاح وتقييد الإنفاق، بالتجربة الأوروبية. ففي فرنسا مثلاً هناك سقفٌ محدّدٌ للنفقات الانتخابيَّة، أقرّه القانون في آخر صيغة له عام 1990م، من ضوابطه فتح حساب مصرفي مكشوف للحملة الانتخابيَّة، اقترن مع إنشاء الهيئة الوطنية الخاصة بحسابات الحملات والتمويل السياسي. كما كان من عناصره تحديد التبرعات التي بمقدور كل شركة أنْ تقدمها سنوياً للحملات الانتخابيَّة، والأهم من ذلك وبحسب تعديلات عام 1993م؛ أنْ تسدّد الدولة نفقات الحملة الانتخابيَّة حتى 50 % من السقف القانوني، شرط أنْ ينالَ المرشح 5 % من الأصوات المسجّلة في الدورة
 الأولى.
وهذا كلّه لن يحصل في أميركا لسبب بسيط لا يعود إلى الدستور أو القانون أو الأعراف السياسيَّة، بل إلى التجربة الأميركيَّة نفسها؛ هذه التجربة التي تتقوّم ماهيتها بجدل الثروة والسياسة، ومن ثمّ لا يمكن إصلاح الواقع القائم إلا بتفكيك هذه
 الماهية!