مهندسون ومعماريون منسيون

الأحد 27 أيلول 2020 72

مهندسون ومعماريون منسيون
  تشارلز باباس
  ترجمة: شيماء ميران
اشتهرت المعارض العالمية منذ 170 عاما تقريبا بتزويد البلدان المشاركة فيها بمستوى عالمي للابتكار، حتى في جوهر التصميم والهندسة المعمارية، نفذته بريطانيا بفندقها كريستال بالاس الرائد في المعرض العالمي الاول عام 1851، بـ293 الف لوح زجاجي ربطت مع بعضها بواسطة ألف عمود حديدي. وتلتها الجواهر الاخرى مثل أتوميوم في بروكسل والابرة الفضائية في سياتل، مع صرحين آخرين أصبحا موازيين للقاعدة الكلاسيكية العالمية، وهما برج ايفل الذي ظهر لأول مرة في معرض يونفيرسال لعام 1889، وعجلة فيريس التي شيّدت لمعرض كولومبيان العالمي عام 1893 في شيكاغو.
ورغم انها اليوم اصبحت رموزا، لكن النحتين المفضلين لم يكونا هكذا سابقا، فقد كان برج غوستاف ايفل مجرد واحد من بين 300 الى 700 نصب معروض يتنافس ليكون محور معرض باريس العالمي.
ولا يزال البرج الذي نُصب في ساحة دي مارس يمثل طرازا معماريا اقل جرأة من حيث الحجم من المقصلة الاكثر غرابة والتي يبلغ ارتفاعها 305 أمتار تقريبا وتُحيي ذكرى تاريخ فرنسا مقطوعة الرأس حين اُعدم 17 الف شخص على الاقل في «عهد الارهاب»، من بينهم الملك لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت. لم يُذكر الكثير عن العمود الضخم ذي الشفرة، ولا توجد رسوم توضيحية معاصرة عنه، او تبيان لفكرته ومواصفات حجم الحافة القاطعة، وإنما مجرد تفاصيل كافية لإثارة إعجابنا بما سيكون.
حتى بعد الانتهاء من بناء برج ايفل، تم تحديد عمره الافتراضي بعشرين عاما، وكان من المقرر هدمه بحلول العام 1909، لكن ما انقذ البرج هو فائدته كموقع للإبراق اللاسلكي، فضلا عما يحظى به من استحسان شعبي. ومع ذلك جذب البرج انتباه اولئك الذين ارادوا تطويره، فاقترح المهندس السويسري تشارلز كارون إضافة حاوية على شكل رصاصة بارتفاع 12 مترا وتزن 9000 كغم تقريبا. وما ان تمتلئ الكراسي الجلدية العشرون للحاوية بالسائحين تغطس في بحيرة صناعية على شكل كأس كبير، لكن وفق التقديرات اللاحقة للمختصين بالفيزياء فان الكبسولة قد تضرب الماء بسرعة 290 كم في الساعة تقريباً.
 
الحماس المعماري
وبعد ما يقارب نصف قرن، صمم المهندس الفرنسي يوجين فريسينيت خرسانته (فار دو موند) الملقبة بمنارة العالم في معرض باريس عام 1937. وكان يمكن لهذا الصرح العملاق ان يكون بحجم مبنى «إمباير ستيت» وبرج ايفل تقريبا، اذا وُضع احدهما فوق الاخر، يلتف حولها رصيف لولبي يسمح للسائقين القيادة على جانبيها والوقوف في ساحة للسيارات تستوعب 500 سيارة، مع المشي لمسافة طويلة للوصول الى مطعم يستوعب ألفي شخص على قمتها لغرض تناول الطعام. كلفت قلعة فريسينيت في الهواء ما يقارب مليونين ونصف مليون دولار (اي ما يعادل اليوم 46 مليون دولار تقريبا)، وكان سعرا باهظا خلال الكساد الاقتصادي. 
مع ذلك، تصغر هذه الصروح امام المشاريع المقدمة لمعرض كولومبيان العالمي عام 1893 في شيكاغو، وقبل ان يتخذ مسؤولو المعرض قرارهم بشأن العجلة التي صممها جورج واشنطن غيل فيريس الابن، عرضت شركة توبوجان للنقل بوابة يبلغ ارتفاعها 2743 مترا، اي اكبر بثلاث مرات من برج خليفة حاليا. ومع انها كانت اكثر من مجرد كتلة متراصة شاخصة، لكن البناء كان غريبا، إذ يربط شيكاغو مع نيويورك وبوسطن عبر منحدرات تُمكن ساكني تلك المدن من الوصول للمدينة لحضور المعرض. لم تكن مزحة بقدر ما هو تصريح بالثقة في عصر البناء الشاخص والغريب مثل برج ايفل وجسر بروكلين وغيرها، فكل شيء ممكن إذا ما توفرت مواد خام كافية، وجرأة لتحدي القيود المعروفة.
وبمزيد من الحماس المعماري، صمم المهندس آلبرتو بالاسيو كرة ارضية بقطر 305 أمتار تقريبا لمعرض شيكاغو، مطوقة بسلم حلزوني يبلغ طوله800 متر تقريبا، ربما يؤدي الى القطب الشمالي، حيث المكان الذي ترسو فيه نسخة مطابقة، لإحدى سفن كولومبس، بانتظار الزائرين. وبلغ سعرها نحو 168 مليون دولار (بعملة اليوم)، ومكنته من ربح غلاف مجلة ساينتفك أميركان.
 
معرض دبي 2021
لقد كانت الدوافع لبناء هذه الصروح هو التعبير عن حب الوطن من خلال الهندسة المعمارية الطموحة. ويقول مؤلف كتاب (المعارض العالمية في اميركا وموسوعة العروض والمعارض العالمية) جون فيندلينغ: «كان فندق كريستال ذاته عام 1851 بصمة معمارية رائعة. وكان هناك تنافس ضمني منذ بداية المعارض العالمية بين اكبر الدول التجارية. وكان الحضور الذي سيجتمع في معرض كولومبيان العالمي في شيكاغو لاحقا تستحوذ عليهم فكرة وجوب الابتعاد عن اعتبار برج ايفل رمزا للوطنية».
وسيشهد معرض دبي 2021، الذي تأخر عاما كاملا بسبب جائحة كورونا، صروحا قد تثير بجرأتها البصرية إعجاب الرئيس الكوري الشمالي كم جونغ أون. إذ سيبدو جناح لوكسمبورغ وكأنه شريط موبيوس عملاق مدفوعا على جانبه. وسيحاكي الجناح الاماراتي اجنحة طائر الرابتر ذات الحواف الناعمة، بينما سينسج الجناح البريطاني قوة الذكاء الاصطناعي في هيكل يشبه مكبر صوت عملاق. وسيدخل الزائرون متاهة مضيئة، ثم تتم دعوتهم للمشاركة بكلمات من الأكشاك، تُجمع بعدها عبر خوارزمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي وتسطرها الى شعر او ربما تطلقها الى الفضاء الخارجي.
ورغم ان هذه المباني امتدت من كريستال بالاس الى جناح القصيدة المقترح، لكن لا تزال الافكار التي لم تنفذ بحجر او معدن تثير الخيال، ويزداد جمالها لانها لم تُبن، وتبقى خالدة غير متأثرة بالزمن او الغبار يضيئها خيال عجائب الدنيا.