رياض نجيب الريس وذاكرة القضايا الخاسرة

الاثنين 28 أيلول 2020 118

رياض نجيب الريس وذاكرة القضايا الخاسرة
علي حسن الفواز
 
مات رياض نجيب الريس دون أن يتحول موته العلني الى عتبة مفتوح لرثاءات رومانسية، أو لفجائع، أو لمواقف قابلة للتسييس، أو لترويج أوهام ما تقترحه السياسة العربية من خنادق وهزائم وأسئلة.
لكن ما يمكن أن يُثيره هذا الموت» الطبيعي» يتعلق بالأثر الذي تركه، وبالمغامرة التي ظل يركبها، وبالحلم الذي دأب على مطاردته، وبالجرأة التي جعلت من حياته سلسلة من» البطولات الثقافية»، والمساحات التي اقترحها على مستوى وظيفته كأبرز ناشري الكتاب العرب، أو على مستوى دوره كصحفي جريء اصطنع له خطابا خاصا، إذ عمل في عديد الصحف العربية مثل الحياة والقبس والنهار، مثلما اشتغل على كثير من القضايا التي تُعنى بالشأن العربي عبر عديد الكتب مثل « العرب وجيرانهم، المسار الصعب، قضايا خاسرة/ من الاسكندرونة الى البلقان، الخليج العربي ورياح التغيير، المسيحيون والعروبة، وغيرها، فضلا عن اشتغاله في « المجال الثقافي الأدبي»، إذ أصدر كتابه الشعري» موت الآخرين» مثلما أصدر كتابه» الفترة الحرجة» والذي ضمّ مجموعة من الدراسات النقدية، وكتابه المهم «حوار صحفي مع الإمام علي بن ابي طالب»،
 لكن المحطة المحطات المهمة في سيرته الأدبية تبرز في تأسيسه لمجلة «الناقد» التي تُعنى بالأدب الحديث، والتي تحولت الى منبر ثقافي واعلامي مهم ربط المهجر العربي بالداخل، وبالاسئلة العميقة التي لا مس خلالها واقع النشر الثقافي، وهموم المثقف العربي في حضوره أو في عزلته ومنافيه وقلقه، وفي مايمكن أن يلعبه الخطاب الثقافي من مسؤوليات، ولو محدودة في صياغة المواقف التي تحتاجها السياسة العربية المضطربة، فضلا عن «الجائزة الأدبية» التي حملت اسم المجلة، والتي عدّها كثيرون بأنها من أهم الجوائز الادبية وانضجها، لأنها تحمل طابعها المهني من جانب، ولأنّ صاحبها يعرف ماهي الطرق الحقيقية المؤدية لتوصيف القيمة الادبية للنصوص التي تُرشّح، أو التي تفوز بها من جانب آخر، فكانت تبشيرا بأسماء مهمة، لعبت دورا كبيرا في واقعنا الثقافي العربي.
موت رياض الريس، يترك لنا كثيرا من الأسئلة المفارقة، إذ يتعلّق بعضها بـ «نسيان المثقف» وبعضها الآخر يتعلق بعلاقته بالسياسة والسلطة والأيديولوجيا، مثلما يتعلّق بعض بـ «أثر المهجر وغربة المثقف العربي» وبـ» رهاب الهزائم العربية» الساقطة بين التاريخ، وبين العجز والضعف والخيبة.
أحسب أن تلك الاسئلة كانت جزءا من وعي الريس الاشكالي، ومن رؤيته للوظيفة الثقافية المُهمّشة، ولطبائع الحكومات العربية المستبدة، والتي اشترت الثقافة والمثقف، واستخدمته في صراعاتها وحروبها في صياغة أوهامها، وهذا ما يجعل حديثنا عن « موت الريس» حديثا للتحريض على المراجعة، وعلى إثارة وعي الصدمة، والدعوة الى الحفر في ارض النسيان، أو ربما اثارة الانتباه والاسئلة لفضح ما يجري حولنا من « قضايا خاسرة» اخرى كتلك التي كتب عنها رياض نجيب الريس ذات تاريخ.