بناء الدولة العراقية - 4 -

الاثنين 28 أيلول 2020 61

بناء الدولة العراقية - 4 -
ابراهيم العبادي
 
بانتظار الانتخابات المبكرة التي فرضتها احتجاجات الشارع، تكون القوى السياسية العراقية قد اشهرت علامات الاستسلام امام مهمة بناء وادارة الدولة في العراق، فقد ثبت عمليا غياب الرؤية والنظرية ،وفقدان القدرة على الاستفادة من التجارب الناجحة في العالم والتعلم منها، الشيء الوحيد الذي تعلمته القوى السياسية هو فن المناورة اليومية واجادة الصراع على قضايا وهمية أو ليست جوهرية ولاتمثل اولوية للمواطن!!.
حينما كتب فرانسيس فوكوياما كتابه (بناء الدولة) عام 2005، مستلهما التجارب الجارية في كل من افغانستان والعراق بعد غزوهما من قبل الولايات المتحدة، كتب يقول في مدخل كتابه... سوف اجادل بأن بناء الدولة يشكل اليوم أحد اهم قضايا المجتمع العالمي، وحتى يجيب على سؤال افتراضي عن سبب تبنيه لهذه المقولة (احد اهم القضايا )، قال في الجواب: لان الدول الضعيفة أو الفاشلة تبقى مصدر العديد من اكثر مشكلات العالم خطورة، من الفقر الى  (المرض)، الى المخدرات، الى الارهاب، معترفا بان ثمة الكثير مما لا نعرفه بعد عن شؤون بناء الدولة بالرغم من معرفتنا الواسعة، خصوصا حول كيفية نقل المؤسسات القوية وبناء المؤسسات العامة التي تؤدي وظائفها على مايرام والتي تتطلب ذهنية معينة .
فبناء الشرعية وتصميم النظام السياسي، والتصميم التنظيمي والاداري، بناء المؤسسات وادارتها بكفاءة وتوظيف الموارد، والاستخدام الامثل للعوامل الثقافية والبنيوية او مايسميه برأس المال الاجتماعي، كلها عناصر متداخلة في بناء الدولة، هذه القضايا مجتمعة لم تكن في صلب التفكير النظري للاغلبية الساحقة من افراد الطبقة السياسية واحزابها وتياراتها، لقد بقيت الخبرات المحدودة وذوو المهارات العملية او اصحاب القدرة على التفكير النظري في موضوع الدولة خارج مدار التوظيف والاستفادة، وتغلبت عقلية ارتجالية ومزاجية على معظم شؤون الدولة والمجتمع، ومع تعاظم التحديات اليومية والضغوط الاجتماعية والسياسية والتدخلات الاجنبية، كان مسار الدولة ينحدر بسرعة نحو الهشاشة والضعف، لتقف القوى الاجتماعية والسياسية على مفترق طرق حاسم وفي برهة زمنية خسرت فيها الطبقة السياسية (الثقة) والاعتمادية النسبية التي كرستها (في البداية) الشرعية الدستورية والتفاؤل الاجتماعي  بالانتقال الى عمل مؤسساتي يستبدل المزاجية والمركزية الحادة وذهنية الدولة الشمولية القمعية .
الان يحاور العراقيون انفسهم بشأن المستقبل الذي بات في احسن الاستشرافات تفاؤلا، كئيبا ومحفوفا بالمخاطر والاحتمالات الخطيرة، بسبب تراجع اهمية النفط، والزيادة السكانية الكبيرة، وتعقد المشكلات وتناسلها، وبقاء الاقتصاد ريعيا ومدينا للخارج والداخل، واستمرار الاشتباك الامني والسياسي بما يمنع من الاستقرار الذي هو شرط التفكير الجدي والعميق ببدائل متاحة .
الطبقة السياسية لايدور في خلدها التحديات المقبلة وما زالت تسيطر عليها اوهام واكاذيب شائعة عن غنى العراق!! ويستقتل ثوارها للدخول في مشاريع عنف ايديولوجي غير ابهة بجيوش الفقراء ولا احتمالات الافلاس المالي، والصراع الاجتماعي المندفع باحتمالات البحث عن المال في مرحلة الندرة المقبلة . 
الذهنية التي تحدث عنها فوكاياما غير موجودة لتدير المخاطر وتحسب لها حسابا، بل يسيطر شعور مرضي على اطراف قوى السلطة بان ثمة من يخطط ضدها لاخراجها من السلطة، ولذلك فهي تستميت في افتعال المعارك الوهمية وتسعير الخطاب الاعلامي واشاعة اجواء التخويف بأن بديل القوى التي اخفقت في بناء الدولة سيكون اسوأ منها . ماهو موجود من عمل سياسي لا يعدو ان يكون مشاريع سياسية مؤدلجة وصراع قوى اوليغارشية ترفض التنازل عن حصصها داخل الاقتصاد الريعي، فليس واردا الحديث عن بناء امة ودولة ومؤسسات وشرعية سياسية نزيهة وشفافة، لذلك فشل العراق في ان يكون له دولة كسائر الدول قادرة على اعالة شعبها وضمان حياة كريمة له بسيادة مصونة وامن مستدام. وسيظل بناء الدولة مشروعا مؤجلا الى ان يظهر فكر جديد ونخب جديدة وارادة انتخابية فاعلة متحررة من قيود الايديولوجيات .