اسبانيا تقاضي فرق الموت السلفادوريَّة

الاثنين 28 أيلول 2020 57

اسبانيا تقاضي فرق الموت السلفادوريَّة
سام جونز
ترجمة: خالد قاسم
بعد 30 سنة على مقتل 8 أشخاص، بضمنهم ستة قساوسة، قد يواجه المخططون لتلك الجريمة العقوبة، فقبل ساعات قليلة من اطلاق النار عليه في حديقة جامعة سان سلفادور، اتصل اغناسيو مارتن بارو باسرته المقيمة في اسبانيا ليطمئنهم عليه.
في الصباح التالي لمنتصف شهر تشرين الثاني 1989، توفي مارتن بارو، فقد قتلته فرقة موت عسكرية، اضافة الى خمسة قساوسة يسوعيين آخرين ومدبرة منزل وابنتها البالغة من العمر 15 سنة. تحول هؤلاء القساوسة (يحمل خمسة منهم الجنسية الاسبانية) الى أشهر الضحايا المعروفين للحرب الأهلية السلفادورية، وهي صراع امتد 12 سنة بين حكم عسكري مدعوم أميركيا ومسلحين يساريين من جبهة التحرير الوطنية “فارابوندو مارتي” وراح ضحيتها أكثر من 75 ألف قتيل.
وبينما كانت الحكومة الأميركية والجيش السلفادوري يقاتلان لإيقاف ما رؤوه انتفاضة شيوعية، كان هدف اليسوعيين، الذين عملوا بالجامعة المركزية الأميركية في سان سلفادور، هو التفاوض على اتفاق سلام.
كان كارلوس، الشقيق الأكبر لمارتن بارو، يأمل أن هؤلاء الضحايا سيحظون أخيرا ببعض العدالة المتأخرة، ومن خلال الاستعانة بإجراءات تحت مبدأ الصلاحية القضائية الشاملة، اذ يتيح التحقيق بجرائم حقوق الانسان التي وقعت في دولة أخرى، بدأت مدريد بمحاكمة عقيد سابق في الجيش السلفادوري، إذ كان وزيرا للأمن، بتهمة الاشتراك في “قرار وتخطيط وتنفيذ” جرائم القتل.
خلال تسع جلسات امتدت عبر شهري حزيران وتموز، جلس العقيد اينوسنتو أورلاندو مونتانو على كرسي متحرك في قاعة المحكمة الاسبانية مدافعا عن براءته، وأبلغ المحكمة أنه كان عضوا في “لا تاندونا” وهي مجموعة عنفية وفاسدة من كبار ضباط الجيش ارتقى أفرادها الى قيادة النخبة السياسية والعسكرية السلفادورية.
لكن اينوسنتو أكد أنه “ليس لديه شيء ضد اليسوعيين” ولم يشارك بلقاء شهد التخطيط لقتل القساوسة وألقى باللوم في موتهم على جبهة التحرير، محاولا عرقلة محادثات السلام الهادفة لتقليص سلطة ونفوذ الجيش.
ناقضت تصريحاته شهادة جندي سابق يدعى يوشي رينيه مندوزا، تحول للشهادة بعد اسقاط التهم ضده بالتقادم وندمه وتعاونه مع المحققين.
 
جريمة وحشيَّة
أبلغ الجندي مندوزا المحكمة أن بعض كبار قادة الجيش ومنهم مونتانو التقوا وقرروا ضرورة اتخاذ اجراءات “عنيفة” للتعامل مع مسلحي جبهة التحرير والمتعاطفين معهم وآخرين، وأضاف مندوزا أن مساء 15 تشرين الثاني 1989 شهد اصدار أمر “بالتخلص” من رئيس الجامعة الأب اغناسيو إيلاكوريا وهو عالم لاهوت ليبرالي وشخصية محورية مهتمة بتحقيق السلام.
دخل أفراد كتيبة نخبة دربتهم أميركا لمكافحة الارهاب صبيحة اليوم التالي مساكن القساوسة وشنوا هجوما بذريعة تفتيش الحرم الجامعي بحثا عن متمردين، أسفر الهجوم عن قتل رجال الدين وامرأة وابنتها، ولا يشك كارلوس بمعرفة أخيه بما كان سيحصل إذ ان ناتشو زاره في مدريد قبل الجريمة بشهرين أو ثلاثة أشهر ولم يكن بحال جيدة وتدهورت صحته الجسدية وامتلأ سريره بالأدوية وكانت ضوضاء الطائرات المحلقة فوقه تصيبه بالخوف.
رغم كل ذلك رفض ناتشو ترك السلفادور، وعلى غرار بقية القساوسة التزم كثيرا بانهاء الحرب ومعاناة أبناء شعبه. بمجرد توديع كارلوس شقيقه الذي عاد الى بلاده، أدرك الجميع أنه سيضحي بحياته لوطنه بل أن والده أحس بموت ابنه حتى قبل وصول خبر الجريمة الى اسبانيا.
غابت هذه البصيرة عن مهندسي الجرائم وحكومة الرئيس الأميركي جورج بوش، وحققت العملية نتائج عكسية بسبب وحشيتها وأثارت استنكارا دوليا اسهم بقرار أميركا سحب دعمها للنظام العسكري السلفادوري.
تقول تيري كارل أستاذة العلوم السياسية ودراسات أميركا اللاتينية بجامعة ستانفورد: “أظهرت تلك الاغتيالات للحكومة الأميركية أن جهود اصلاح سلك الضباط قد فشلت، ولم يساند الرأي العام الأميركي مطلقا التدخل في أميركا الوسطى، وبعد ضغوط الكونغرس حجبت ادارة بوش مساعدتها ودعمت تسوية الأمم المتحدة التي سعى إليها القساوسة”.
 
صحيفة الغارديان البريطانية