حينما هددت الامبراطوريَّة العثمانيَّة أوروبا والعالم

الاثنين 28 أيلول 2020 77

حينما هددت الامبراطوريَّة العثمانيَّة أوروبا والعالم
أيان موريس 
ترجمة: مي اسماعيل 
حينما هبط تاجر اسمه بيرو زيمينيز على شاطئ الاطلسي بالمكسيك في يومٍ صيفي سنة 1573؛ لاحظ شيئاً أدهشه: “هناك سفن تعود للأتراك أو المغاربة”، كما أبلغ سلطات الاستعمار الاسباني.. لا بد أن هناك خطأ ما.. ولكن بعد أسابيع قليلة وصل تقرير يفيد بمشاهدة.. “سبع سفن تعود للأتراك محملة برجال البحر، وجواسيس الأمراء”، يتجولون بجرأة كبيرة في ساحة مدينة بيوريفيكاسيون بكولومبيا، وخلص ممثل التاج الاسباني الذي 
أُرسل للتحري الى أن.. “أتراكا أو مغاربة” كانوا بالفعل يتآمرون مع سكان أميركا الأصليين لازاحة
الحكم المسيحي!!.
هذا الأمر الذي يبدو اليوم سخيفاً - أتراك يغزون المكسيك - لم يبدُ كذلك في العام 1573؛ وحينما أبحر الاسبان نحو 21 ألف كم من قاديش (ميناء اسباني جنوب الاندلس. المترجمة) الى جاوة (بأندونيسيا) وجدوا المسلمين على امتداد الطريق، فهل كان من السخف الشك بأن الاسلام قد عبر المحيط الهادئ أيضا؟ نعرف اليوم أن المسلمين الوحيدين في الأميركيتين كانوا عبيد غرب أفريقيا الذين بدأ الاسبان باستيرادهم منذ عام 1501، لكن الغزاة الاسبان لم يكونوا متأكدين تماماً، وادعى هرنان كورتيس (جندي مغامر قاد الغزو الاسباني. المترجمة) أنه رأى أكثر من 400 مسجد خلال حروبه ضد شعب الازتيك! 
 
صراع على العالم الجديد
قدمّ الكاتب والمؤرخ ألن ميكائيل في كتابه- “ظل الله: السلطان سليم وامبراطوريته العثمانية، وتشكيل العالم الحديث” فكرتين؛ الأولى (وهي الأقل اثارة للجدل)- أن مسيحيي القرن السادس عشر رأوا كل شيء (وبضمنه الأميركيتان)؛ عبر عدسة صراعهم ضد الاسلام. حينما عبر كرستوفر كولومبس المحيط الأطلسي سنة 1492 (وهي السنة التي دمر فيها الحكام الاسبان آخر ممالك الاسلام في ايبيريا)؛ أكّد لرعاته الملكيين أن رحلاته كانت محض استمرارية لحملاتهم المضادة للاسلام، وان هدفه بالوصول الى آسيا كان البحث عن “خان المغول الكبير” (الذي كان الاعتقاد السائد أنه مؤيد للمسيحية) واقناعه بشن هجوم كبير (كالكماشة) على 
القدس. 
وحتى حينما أدرك الاسبان أن الأرض التي وصلوا اليها وراء الأطلسي لم تكن آسيا، وإنما عالم جديد؛ تبين أن عادتهم في النظر للأمور من زاوية وجود الاتراك كانت أمرا يصعب التخلي عنه، بدأ العديد من الغزاة الاسبان مسيرتهم الحربية بقتال الاتراك في البحر المتوسط، وبعدما انتهوا من ذبح شعوب الازتيك والانكا؛ عاد الكثير من الغزاة الى اوطانهم ليستمروا بقتال الاتراك، لذا لا يجب أن نعجب أن العديد منهم شعروا أن قتال الكفرة ذوي البشرة الداكنة في أميركا لا يختلف كثيرا عن قتالهم في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا. 
يقدم كتاب “ظل الله” كماً من التفاصيل الدقيقة لتلك المواجهات بين الثقافات؛ لكن الجانب الاكثر لفتا للنظر فكرة ميكائيل الثانية، وهي أن “الامبراطورية العثمانية شكلت عالمنا الحديث”. يصف ميكائيل كتابه بأنه.. “تقرير تنقيحي.. يعرض الدور التأسيسي للإسلام في تشكيل بعض الجوانب الأساسية لتاريخ أوروبا والأميركيتين والولايات المتحدة”. ونقرأ في كتابه: “انبثق من الاسلام تاريخ عالمي جديد وجريء، تاريخ يقلب الشعارات التي سيطرت على مدى ألف عام. وسواء أحب السياسيون والنقاد والمؤرخون التقليديون ذلك أم لا؛ فإن العالم الذي نعيش فيه هو عالم عثماني إلى حد كبير”. هذه جدلية قوية؛ رغم أن المؤرخين التقليديين قد يتفقون معها بطريقة ما، يتقبل الجميع تقريبا أن الرسوم العالية التي فرضها الاتراك على القوافل التي تنقل بضائع آسيا المترفة عبر امبراطوريتهم شجعت الأوروبيين لبناء سفن أفضل والبحث عن طرق بحرية الى الهند، لكن هذا لا يثبت أن الامبراطورية العثمانية كانت شرطا كافيا أو ضروريا لتشكيل عالمنا الحديث؛ وهذا يتطلب طرح السؤال الافتراضي التالي (الذي لا يمكن الاجابة عليه فعليا:) ما الذي كان سيفعله الأوروبيون لو لم تكن الامبراطورية العثمانية موجودة 
مطلقا؟ 
 
حوافز الاستكشاف
حفزت الرسوم المفروضة والتحركات العثمانية العسكرية الآيبريين خلال القرن الخامس عشر على الاستثمار لبناء أنواع جديدة من السفن؛ ولكن هل علينا الافتراض أن الاوروبيين، بدون وجود العثمانيين، لم يكونوا ليبنوا تلك السفن الجديدة؟ لعل كولومبس (بدون وجود الاسلام) لم يكن ليُبحر غربا سنة 1492؛ ولكن بعد ثماني سنوات فقط وصل بيرو غابرال (مستكشف برتغالي. المترجمة) الى البرازيل على أي حال؛ أثناء محاولته اكتشاف الرياح المؤاتية للابحار حول الطرف الجنوبي لأفريقيا، كانت التجارة البحرية مع الهند تحقق مكاسب أكثر من الطرق البرية؛ حتى وأن كانت البرية معفيةً من الضرائب؛ فهل سيختفي أمثال غابرال بالفعل بدون العثمانيين؟ أم هل كان دور العثمانيين في غزو أوروبا للأميركيتين حقيقةً مجرد تعجيل حدوثه ببضع سنين؟ 
ابتعد ميكائيل في طروحاته عن مثل تلك التخمينات، وقدم قضيته بتخصيص الجزء الأكبر من كتابه لسرد السيرة الذاتية لسليم الاول الملقب بالعابس؛ الذي حكم الامبراطورية خلال سنوات 1512 - 1520؛ وهو سلطان عثماني صارم بشكل خاص، قتل اخوته غير الأشقاء (وهذا كان، باعتراف الجميع، سلوكا سلطانياً عادياً)، وخلع والده وربما قتله (وهذا لم يكن سلوكا معتادا!). غزا سليم كل الاراضي من سوريا الى الجزائر، وألحق هزيمة ماحقة ببلاد فارس. يجتهد ميكائيل احيانا لدمج هذه القصة بسلاسة مع روايته عن الاسبان في أميركا؛ وهناك ربما الكثير من التفاصيل عن حملات سليم، بحيث تبدو بعض الارتباطات متكلفة؛ مثل أوجه الشبه التي يرسمها ميكائيل بين موت سليم وموت مونتيزوما (حاكم الهنود الحمر في أميركا الوسطى. المترجمة) وكلاهما توفي سنة 1520. لكن القصة تبقى مشوقة؛ فمن ذا الذي لا يريد معرفة تاريخ القهوة اليمنية أو مصارعي زيت الزيتون في 
أدرنة؟ 
 
طموحات عثمانيَّة
يبني ميكائيل على هذا السرد ليشير إلى أن مساهمة سليم في صنع عالمنا الحديث تجاوزت مجرد تحفيز الأوروبيين لعبور المحيطات. لقد تخيل بيرو زيمينيز رؤية السفن التركية عند شواطئ المكسيك؛ لكن ميكائيل يؤمن أن سليم اقترب بالفعل من ارسالها هناك، وقد بدا سنة 1518 متأهبا وعلى وشك اجتياح شمال افريقيا بأكملها؛ كما يقول ميكائيل: “لو كان سليم قد احتل المغرب؛ كان سيعيد صياغة تاريخ العالم كليا؛ إذ لو كانت المغرب قد أصبحت عثمانية؛ كان بإمكان “ظل الله” أن يمتد الى الأطلسي؛ وربما يعبر ذلك المحيط”. يقرأ ميكائيل هذا في حكايتين يرويهما عن السلطان العابس؛ يصف في الأولى كيف عرض الربان العثماني بيري ريس على السلطان سليم خارطة عالية الواقعية للعالم سنة 1517. 
تقول الرواية ان سليم مزق الخارطة الى جزأين؛ واحتفظ بالجزء الذي يُظهر العالم القديم، لكنه أعاد العالم الجديد الى بيري، وتقول الحكاية الثانية ان مترجما اسمه علي باي قدم بعد ثلاث سنوات خارطة اخرى للعالم الى السلطان سليم؛ لكنه لم يقسمها الى نصفين هذه المرة، وبدلا عن ذلك جعل أحد كتبته يشطب جميع الاسماء الايطالية واللاتينية ويستبدلها بأسماء تركية. قدم ميكائيل استنتاجه قائلا: “لا بد أن سليم تصور الآن فعليا أن جميع المناطق على الجزء الغربي من خريطة بيري- الجزء الذي بقي، النصف الذي اختار سابقا أن يتجاهله- يمكن أن تكون له.. لقد عزم أن يجعل العالم كله 
عثمانيا”. 
مات السلطان سليم بعد أربعة أشهر؛ لذا لن نعرف مجريات الامر. ولكن لو لم يقدّم ألن ميكائيل كتابه “ظل الله”؛ لعلنا لم نكن حتى لنطرح التساؤل، ولعل أكبر مديح نقدمه لكتاب عن التاريخ أنه يجعلنا نفكر بالاشياء بطريقة جديدة. 
 
* عرض كتاب: “ظل الله: السلطان سليم وامبراطوريته العثمانية، وتشكيل العالم الحديث”، من تأليف: ألن ميكائيل
 
عن صحيفة نيويورك تايمز الاميركية