هل تبقى القارة القطبيَّة الجنوبيَّة بمنأى عن «كورونا»؟

الثلاثاء 29 أيلول 2020 79

هل تبقى القارة القطبيَّة الجنوبيَّة بمنأى عن «كورونا»؟
كارا انا ونيك بيري
ترجمة: بهاء سلمان 
 
حالياً يحتفظ عالم واسع ببقائه خالياً من فيروس كورونا،اذ يمكن للناس هناك الاختلاط من دون ارتداء كمامات، ومشاهدة الجائحة تنتشر على بعد آلاف الأميال. هذا العالم هو القارة القطبية الجنوبية، انتاركتيكا، القارة الوحيدة الخالية من «كوفيد – 19». هذه الأيام يقضي الناس فصل الشتاء لأجل التزلج على الجليد، مع نحو ألف من العلماء، وهم يرون الشمس لأول مرة منذ أسابيع أو شهور، وهناك جهد عالمي يسعى لضمان عدم جلب قادمين جدد للفيروس معهم.
ومن محطة أبحاث روثيرا البريطانية، الواقعة قبالة شبه جزيرة تلتف باتجاه طرف قارة أميركا الجنوبية، يصف المرشد الميداني روب تايلور ما كونه يمثل «فقاعتنا الصغيرة الآمنة». في الأيام السابقة للفيروس كانت العزلة الطويلة الأمد والاعتماد على النفس والضغط النفسي تمثل طبيعة الحياة لطواقم انتاركتيكا، بينما بقية العالم عاش حياته بروعة بالغة، فكيف تغيّرت الأحوال؟
 
مهارات لديمومة البقاء
يقول تايلور: «عموماً، الحريات المتاحة لنا تعد أكثر سعة مما هو متاح في بريطانيا مع بلوغ الحظر ذروته، فنحن بامكاننا ممارسة التزحلق، والتفاعل اجتماعيا بشكل طبيعي، والركض واستخدام قاعة الألعاب الرياضية، وكلها تمارس باعتدال». وشأنهم شأن الفرق عبر انتاركتيكا، وبضمنها القطب الجنوبي، ينبغي على تايلور وزملائه، البالغ عددهم 26، أن يكونوا بارعين بجميع أنواع المهام المناطة بهم في بيئة نائية وجماعية، حيث مجال الخطأ قليل للغاية؛ وهم يتبادلون أدوار الطبخ ورصد الأحوال الجوية و»الانشغال بالخياطة»، بحسب تايلور.
الربط الجيّد للانترنت معناه مشاهدتهم بشكل وثيق ما يجري من انتشار للجائحة في بقيّة أنحاء العالم. ولغاية هذا العام، تركّزت النقاشات مع الزملاء الوافدين حول التحضير لاستقبال القادمين الجدد، والآن النصيحة تتوجه لتغطية الطريقين: «أنا متيقن بوجود عدد كبير يمكنهم اخبارنا حول كيفية المساعدة على التكيّف مع الطريقة الجديدة، فنحن لا نملك أية ممارسة للتباعد الاجتماعي لغاية الآن»!
وفي قاعدة ادارة سكوت النيوزيلندية، يستعد الفريق الموجود لتوديع موسم شتاء طويل، بدأ منذ نيسان الماضي. يقول روري اوكونور، الطبيب ورئيس فريق الشتاء، متحدثاً عن مراقبته للجائحة عن بعد: «أعتقد بوجود قليل من عدم الربط، فالواحد منا يقرّ بوجودها عقليا، لكن لا أظن بأننا قد احتسبناها بشكل كامل وفقا للاضطرابات العاطفية التي حتما تسببها». 
 
الخوف من القادم
ويشير اوكونور الى امكانية البدء بفحص الفيروس بمجرّد وصول زملائهم قريبا، بعد تأخرهم لأسابيع بسبب عاصفة ثلجية ضخمة؛ وأية حالة إصابة مؤكدة ستطلق شرارة «الإنذار الأعلى»، مع تقليص النشاطات الخاصة بتوفير التدفئة والطاقة والماء والطعام لأدنى حد ممكن.
وبينما هز «كوفيد – 19» بعض العلاقات الدبلوماسية، تعاونت ثلاثون دولة مؤلفة لمجلس مدراء برامج انتاركتيكا الوطني منذ وقت مبكر لابقاء الفيروس بعيدا عن القارة. ونوّه مسؤولون بروحية العمل الجماعي الفريدة بين ممثلي الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها من الدول التي ربما تنشغل بمشاحنات دبلوماسية بمواضع أخرى.
ومع تعرض عالم مرتعب لاغلاق تام منذ شهر آذار الماضي، اتفقت برامج انتاركتيكا على احتمال تحوّل الجائحة لكارثة كبرى. ومع الرياح الأعتى ودرجات الحرارة الأقل انخفاضا عالميا، تعد القارة، التي تبلغ مساحتها ما يساوي الولايات المتحدة والمكسيك مجتمعة، خطرة على العاملين في قواعد يفوق عمرها الأربعين سنة. وبحسب وثيقة أصدرها مجلس مدراء برامج انتاركتيكا الوطني، فان «فيروساً حديثاً عالي العدوى بوفيات واصابات كثيرة في بيئة انتاركتيكا المتطرّفة والقاسية مع محدودية الرعاية الطبية المتطوّرة يعتبر أمرا خطيرا للغاية بعواقب كارثية محتملة. ولأن الوصول الى القارة لا يمكن إلا عبر بعض المنافذ الجوية أو عبر السفن، فمحاولة منع وصول الفايروس الى انتاركتيكا ينبغي أن تجري على الفور».
 
توجيهات صارمة
وحذرت وثيقة المجلس من الاتصال بالسياح، فلا يجب نزول أي أشخاص قادمين على متن السفن، وبالنسبة لأفراد الفرق العلمية المنتشرة بالقرب مع بعضها البعض، فينبغي ايقاف الزيارات واللقاءات الاجتماعية بين المحطات والمنشآت. وكان المشتغلون في انتاركتيكا قد تدرّبوا مطولا على غسل اليدين وآداب العطاس، لكن المجلس أعاد التأكيد عليها، واضاف «لا تلمس أنفك».
وشأنها شأن دول أخرى، ستحدد نيوزيلندا أولوياتها ببرامج بيانات بعيدة الأمد، بعضها بدأ خلال عقد الخمسينيات، يعمل على مراقبة الطقس ومستويات الأوزون والنشاط الزلزالي وغيرها، وسترسل مئة فرد ضمن بعثتها القادمة بدلا من 350 لتقليل فرص الاصابة بكورونا، وتعمل بعض البرامج على تأجيل عملياتها في القارة للعام المقبل أو حتى العام 2022، كما يقول نيش ديفانونثان، مدير فريق الدعم لفريق جنوب أفريقيا: «أعتقد أن الهم الأكبر لكل دولة سيتمثل بالخوف من جلب الفيروس، والكل يحاول الوقاية
 منه».
وتمتد اجراءات الحذر الى مدن البوّابات، مثل كيبتاون عند ساحل جنوب أفريقيا وكرايستتشيرتش النيوزلندية وهوبارت الاسترالية وبونتا اريناس التشيلية وأوشوايا الأرجنتينية، فكل دولة اتخذت اجراءات الحظر وبروتوكولات الاختبارات للعاملين المستقلين للطائرات أو السفن المتجهة جنوبا. وعادة ما تحمل انتاركتيكا تحدياتها، بحسب ديفانونثان، لكن عندما يتعلّق الأمر بـ «كوفيد - 19» والمجتمع الدولي بشكل عام، «سأقول انها على رأس
 القائمة».